لماذا الخطاب القرآنيّ مرجعيّةً للعمل النهضوي، عنوان لهذا العمل ؟
قد لا تكون الإجابةُ صعبةً، لما بين العربِ والقرآن الكريم من روابط؛ إلا أنّ الدافع الرئيسيّ لهذا العمل يكمنُ في السؤال عن أسبابِ نجاحِ الدعوةِ المحمّديّةِ في نقلِ العربِ من واقعٍ إلى واقع، وهو سؤالٌ يقتضيه تعثّر العمل النهضويّ المعاصر.
لم يكن الذهابُ إلى تحرّي أسبابِ النجاح، والوقوف عليها يتوخّى تكريرَها في الواقع الرّاهن، فإنّ ذلك يضيّعُ الجهودَ، ويتجاهل سننَ التاريخ؛ بل أرى أنّه ينبغي تَعرُّفُ تلك الأسبابِ، لتشكّلَ معرفةً يؤسَّسُ عليها في اكتشافِ أسباب النجاحِ المرجوّة.
وبما أنّ النصَّ القرآنيّ الكريم، قد انطوى على مرجعيّةِ سلوك الرسول العربيّ، في مواجهةِ مثالبِ قومِه والإنسانيّة، أوفي تعزيز محاسنهم، أخذْتُ على عاتقي أنْ أتنخّلَ في النصِّ بعضَ مستويات الخطاب القرآنيّ، وأعمدُ إلى التعامل معه بالوصفِ والتحليل ليبوحَ بالأسلوب الذي انطوى عليه بوصفه مرجعيّةَ سلوك رسوليّ.
وهنا لا أناقشُ الأفكار النهضويّة السّائدة منذ قرنٍ ونيّف، فأنا لا أفتقدُ الذّكاء فيها، ولا عمقَ التفكير، ولا بُعدَ الرؤية ولا نُبلَ المقاصد، بل تحت تأثيرِ الفشلِ الذريع؛ أفتقدُ أسلوبَ العملِ الدعويّ الملائم لتلك الأفكار والرؤى والمقاصد. وذلك أنّ هذه الأفكار النهضويّة قد رأت في التجاربِ الناجحةِ غرباً وشرقاً، مرجعيّةً للسلوك الدعويّ، الأمر الذي جعلها تصطدمُ بالواقع العربي النفسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ. ولا يعني هذا أنّ العربَ لا يقبلون الثقافةَ الوافدةَ، بل يعني ذلك أنّ الأممَ العريقةَ لها خصوصيّتها الثقافيّة، وينبغي أن تراعى تلك الخصوصيّةُ إذ يتمُّ الانفتاحُ على الآخر، ومحالٌ أن يكون هناك تقدّمٌ نهضويّ من دون تلاقح، ولكن محال أيضاً أن يكون التلاقحُ غطاء لاغتصابٍ حضاريٍّ مؤَسَّسٍ على ما يهدّدُ الشخصيّةَ القوميّةَ وخصوصيتها ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )[1].
إذن يأتي هذا العملُ وفي نيّته تأكيدُ المرجعيّةِ القوميّة للعمل النهضويّ العربيّ سواء كانت أفكار العمل عَـلمانيّة، أو إسلاميّةً، أو ماركسيّةً، أو ليبراليّةً، أو غير ذلك؛ فالقرآنُ الكريم حاجةُ كلِّ عربيٍّ في ميادين الحضارة الإنسانيّة المعاصرة، سواء كان هذا العربيُّ مسلماً، متديّناً أو غيرَ متديّن، كتابيّاً، أو ملحداً... وذلك لكونه النصَّ الذي أحدثَ الانقلابَ المنهجيَّ في الحياةِ العربيّةِ منذ مئات السنين كما أسلفنا، وما زال تأثيرُه حتى يومِنا هذا، متمثّلاً في لغتنا، وعاداتنا، وتقاليدِنا، وتعبيراتنا، وإبداعاتنا وقيَمِنا... سواء قبلنا بهذا أو لم نقبلْ؛ لا يمكننا أن ننقلبَ على تعثُّرِنا في مسعانا الانقلابيّ اليوم، بإدارة الظهرِ إليه بحجّةِ تقادمِه؛ لأنّ الانتكاسةَ بعيداً عنه، تسبّبُ ارتداداً خطيراً يحوّلُه إلى صنمٍ نقدّسُ له، ويعمينا عن كونه نصّاً له معنى، وله منهجُه الخاص في معاينة الوقائع والحقائق، وبالتالي يجعلنا على هامش التاريخ.
سعد كموني (مواليد 1957 م جب جنين ، البقاع الغربي ، لبنان) كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية واللغة العربية وآدابها
حاصل على درجة الدكتوراة من جامعة الجنان في طرابلس لبنان في العام 2004 م عن أطروحته : ملامح العقل العربي في النص القرآني الكريم .
قام بالتدريس في المرحلة الثانوية في مركز عمر المختار التربوي، منذ سنة 1996. حاضر في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية الفرع الرابع، وفي المعهد الجامعي الأمريكي C&E في بعلبك، وحاضر في الجامعة اللبنانيّة الدولية – فرع البقاع . قام بالتدريس في المرحلة الابتدائية في مدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في القرى لمدة 16 عامًا
المؤلفات :
• “قراءات في الجفر” (شعر)، 1983 • “النوم رماد اليقظة” (شعر)، 1987 • “شجر الخيبة” (شعر)، 1996 • “الطلل في النص العربي” (نقد)، 2000 • “العقل العربي في القرآن” (نقد)، 2005 • “إغواء التأويل” (دراسة)، 2011
قراءة مثل هذه الكتب كفيلة بتصحيح مفاهيم الدعوة المحمدية الصحيحة لدى الدعاة، وكفيلة بعودة أمة محمد حيث نهوض الإنسانية. أسلوب الكاتب سهل وبسيط ومحاور الكتاب مرتبة حيث الشمول والإيجاز، والمعنى الواضح.