أنفاق بلا ضوء : قراءة في رواية الهوية 2000 لـ ريما إبراهيم حمود . . . " المجرمون آمنون في بيوتهم يستكملون حياتهم ، مخبئين أسرارهم القذرة في أعمق زاوية في عقولهم " الرواية ص : 16 . ربما تزداد قيمة الرواية إذ ترفد المتلقي لعالم خاص ، و تأخذ به في الدهاليز المنسية ، هناك في منطقة محظورة ، ألقاها العالم في العتمة ، و ربما هذا ما ميز رواية الكاتبة ريما حمود ، و أعطاها قيمة الكشف . ريما حمود كاتبة لها حضور في عالم القصة القصيرة و رواية الهوية ٢٠٠٠ هي تجربتها الروائية الثانية و التي انطلقت من أرضية واقعية و من قضية إنسانية طرحتها بجرأة و هي قضية مجهولي الهوية في إقليم معين ، لم يعد فيه - الأعم الأشمل - يستطيع التفريق بين الضحية و الجلاد . حاولت الكاتبة أن تضمّن صرخة تلك الفئة في فصول الرواية بعد بحث ملفت ، تاركة للقارئ حرية التشخيص ، و قاذفة بالسؤال اللاذع : ماذا بعد ؟ . . * قالب الرواية : تقدم الكاتبة الرواية دون تكلف ، حيث تأتي الفصول طيعة ، مقدمة عبر السرد المشهدي الذي ينزلق طيعا في مساحة التلقي و القليل من فقرات المونولوج الداخلي . فالعمل الأدبي يثبت بدعامتين : ١: الفكرة ٢: الكيفية و قد اختارت الكاتبة أن تعزز رؤيتها تجاه القضية المطروحة و تستدر تعاطف المتلقي عبر أخذه في أنفاق عديدة ، و محطات متنوعة بين ذكريات الطفولة و أوجاع دور الرعاية ، ثم وحشة العالم الخارجي و منعطفات الحلم و الكوابيس و القلق و المواقف الجارحة ، و العوز ، لكنها رغم ذلك لم تقيد السرد بالخط الزمني ، بل تركته مبعثرا و مقدما لقارئ يجيد ربط الصور ، و يحصد من خلال الصغحات ملامح الحدث و يراقب تطوراته . و لعل الفصل الخامس من الجزء الأول كان أبلغ الفصول تأثيرا ، حيث انتخبت الكاتبة استراتيجية المونلوج الداخلي لطفلين رضيعين ، رغم أنها كتبت الفصل بتقنية الراوي العليم إلا أنها نجحت في جعل المتلقي يصدق ذلك الاستنطاق ، و يشعر بخيط الدمع السائل من عين الرضيع إلى أذنه ، و بطعم السائل البارد في قنينة الحليب البائتة . . . الشخصيات : قدم العمل شخصيات عديدة ، لكنه ارتكز على شخصيتي : آدم و تيماء ، الخارجان من دار الرعاية ، و الحاملان الهوية رقم : 2000 ، و التي لن تكتفي بما تجرعاه - و أشباههما - في دور الرعاية من إهمال و تجويع و تعذيب ، بل ستتكفل بهدم المستقبل و إطفاء كل أمل ممكن . أعتقد أن الكاتبة لم تختر الأسماء عبثا، ثمة رمزية في اختيار اسم ( آدم ) ، النابت من الظل ، بلا أب و لا أم و لا جذور ، و رمزية أخرى في إسم تيماء ، و هي الأرض الخاوية . الجميل في تركيبة شخصيات الرواية أنها تعطي تصورا واقعيا لأثر التكوين المبكر و مواجهات الأحداث في انفعال كل شخصية ، فرغم أن تيماء و آدم ، و الآخرين مثل : حسنة و حامد و علاء ، عاشوا ذات الظروف و تشاركوا في الذاكرة إلا أن لكل منهم إحداثيات مختلفة على منحنى الأمزجة و سمات الشخصية . و الحقيقة ، أجد أن الكاتبة نجحت جدا في تقديم شخصية آدم الساخط الناقم الذي يخفي تزعزعه خلف القسوة المبطنة . هذا العمل يجعل القارئ يعيش تلك الشخصيات المأزومة ، و ينكسر معها و يفكر بصوتها . و قد يقوده مآل شخصية آدم إلى سؤال مسكوت عنه ، لم تفصح عنه الكاتبة ، و لكنه يضج في مساحة التلقي: هل تدفعنا قسوة الظروف و رفض المجتمع للانضمام لسلك الإرهاب ؟ أم لتشويه دواخلنا و السير في المجرى الآسن المفترض ؟ السؤال الحقيقي هو : هل يستطيع أولئك الرازحين في العراء ، النابتين من العدم ، أن يواجهوا كل تلك الجهات المفتوحة عليهم ؟ و كيف ؟
هذه الرواية تطرح سؤال مهم : هل الإنسان وليد فطرته أم بيئته التي يعيشها ؟ وهنا نحار في الجواب فشخصيات الرواية تعيش في مكان واحد ولكن كل شخصية منها تسلك طريقاً مغايراً . بطل الرواية يتخفى خلف متاريس من الغضب والقسوة محاولاً الصمود في وجه واقعه القاسي لكن الظروف تدفعه نحو طريق الهرب والإرهاب ، أما البطلة فهي الأخرى تحاول أن تعيش حياة سوية متمسكة بالأمل الذي تراه في عيني طفلها . السرد في الرواية بدا كلوحات يتداخل فيها الماضي بالحاضر بإنتقالات رشيقة ومشوقة .