يقول د. طه حسين في كتابه "من أدبنا المعاصر" ص 135 في نهاية دراسته عن هذا الديوان في مقالته " وحي الحرمان " في الكتاب "... ما من شك في أن لشاعرنا الأمير طبعًا خصبًا وقلبًا ذكيًا وشاعرية ممتازة لو استطاع أن يفرغ لها ويمنحها من وقته وجهده وعنايته وأناته ما ينبغي لها اذن لبلغ من الشعر ولبلغ به من نفوس القراء أقصى ما يريد وما أظن أنه يستطيع أن ينصرف عن هذا الشعر لأنه سيظل محرومًا دائمًا هذا اللون من الحرمان القاسي وسيضظر إلى أن يسري عن نفسه ويفرج عن قلبه بهذا الغناء ولقد أتيح له نجح حسن في هذا الديوان ولكني مطمئن إلى أنه سيبلغ أضعاف هذا النجح في ديوانه المقبل إن شاء الله.
في المقدمة يشتكي الفيصل من الحرمان ويهدي كتابه للذين شاركوه "لذة" الحرمان، حرمان الفيصل كما وصفه هو يرتبط بالشقا،ء وبالنسبة له فقد حُرم عدل الناس في معاملته والحكم عليه بسبب دمائه الزرقاء قصيدته الشهيرة "ثورة الشك" كان عنوانها الأصلي "عواطف حائرة" وقد غيرته أم كلثوم كما تعودت قبل أن تغنيها وتشتهر بهذا العنوان، أحببت العنوان الأصلي أكثر من ثورة الشك، لكن الفيصل في شعره عاشق وشاكي في كثير من القصائد ويناسبه العنوان كوصف لشخصه كما بدى في شعره شكوك كامل الشناوي مثلاً جائت بعد يقين "إني رأيتكما معاً" أما الفيصل فيثور شاكاً ل"حديث الناس"!! اقتنعت بأنه محروم .. فقد حرم اليقين فيمن يحب ويهوى !
عبدالله ، الشاعر الأمير، -فبظنّي أن الشعر يختارك لا تختاره، وتولد به قبل أن يسبغ عليك هذا العالم ألوانه وألقابه-حاضر في ذاكرة كل من درس كتب الأدب في المرحلة الثانوية ، كشاعر مجدد في القصيدة ، والشعر الحر. إلا أنه بعد قراءتي لديوانه ، تغير حضور عبدالله في الذهن ، إلى شاعر الحس المرهف، وشاعر الحرمان. لا يعترف شعره بقيود الزمن الذي نضعه حدًا لتجربتنا في الحس والإدراك، ثلاثة وسبعون عامًا منذ طبع هذا الديوان، ولا يزال شعره يصل للقلب، لا يزال حزنه عابرًا ومفرداته متجاوزة، لتصل.. تصل إلى من يحتاجها، تداوي اعتلال القلب وتواسي كل محروم. في مطلع كتابه يقول: "تعلم يا عزيزي القارئ أن السعادة ليست في كل هذه الصفات والمميزات، إن مقرها في النفس ومنبعها من الإحساس، فأنت سعيد إذا أحسست بالسعادة ولو فقدت كل أسبابها الظاهرة ومميزاتها المعبّرة، وأنت محروم إذا فقدت الإحساس بها ولو اجتمعت كل مقوماتها واعتباراتها. …. ولهذا وحده أنا محروم" رحم الله الأمير الشاعر عبدالله الفيصل.
بعض من قصائده:
"أنتِ الحياةُ لقلبٍ جِدِّ مُكتئبٍ وليس يسعدهُ بالوصلِ إلاكِ ماذا يضيرُكِ لو حَقَّقْتِ أمنيتي فيسعَدَ القلبُ من شوقٍ لرؤياكِ ففيكِ للقلبِ أهواء ٌمجمّعةٌ وفي لقائِكِ دنيا الشاعرِ الشاكي أقصى أمانيَّ لو تبدينَ باسمةً أستلهمُ الشِّعرَ من باهي مُحيِاكِ"
"حارَتِ الأشعارُ في ماذا تقولْ شَرَدَ الفِكرُ وقد جَدَّ الرحيلْ أزمعوا بيناً وشدّوا رَحْلَهم فتوارى طيفُ أحلامي الجميلْ وتهاوى الدمعُ في آثارهم وهو كالجمر على الخدِّ يسيلْ إنها روحي أراها أدمعاً تملأ الأجفان "و الليلُ يطولْ!"
"هل أداري الألم العاصف في قلبي بصبري أم أبوح اليوم بالسر وهل يجهل سري لست أدري هل أبوح الآن ويحي لست أدري"
"يا توأمَ الروحِ ونورَ البصرْ ضاقتْ مُنى الروح بهذا السفرْ وغَشَّتِ الوَحدةُ عيني فما يؤنسُ عيني كلُّ هذا البشرْ سوى محياكَ دُجىً حالكٌ فأين منه لمحةٌ للنظرْ تُسعِدُ أيامي وليلي كما يَسعَدُ بالأنجمِ نِضْوُ السهرْ وتذهبُ الوحشةُ عن خاطرٍ كم غالبَ الشوقَ وكم ذا صبرْ يهواكَ إن غِبتَ وإن حاضراً يهواكَ في الوحدة أو في السمرْ وما له إن غِبتَ من سامرٍ سوى صدى أيامنا والذِّكَرْ وما أمرَّ الدهرَ إن مرَّ بي من غير أن يُملا فراغُ العُمُرْ! أيُّ طيوبٍ ليس يُوحي بها إلا محيّا في شباب الزَّهَرْ يا مُوحِشَ النفس وفي النفس من هواه أشتاتُ المُنى والفِكَرْ لا أوحشَ الله خيالي من الحبِّ ولا تلكَ الليالي الأُخَرْ"
"ورجعت للمحراب أنشد عزلتي لكن خيالك كان في محرابي أين المفر(( ومنك ثم إليك ما أسعى)) وما بي في غرامك ما بي"
عبدالله الفيصل غدا مفضلي من الشعراء. يا طير هيجت آلامي واشجاني بما تغنيه من الحان ولهان بي مثل مابك من احزان مغترب فالكل منا وحيد ماله ثان بعثت شكواي الحانا مرتلة وانت شكواك ترجيع لألحاني تشكو فراق رفيق كنت تألفه اما انا فشكاتي بعد اوطاني أين المصيف وايام به سلفت ؟ وأين ياطير احبابي وخلاني؟ اين الجبال التي تكسو أعاليها بمذهب من كثيف السحب هتان وأين مني شهار؟ أين هضبته؟ ياحبذا فيه افراحي واحزاني ! واين مني ،،،، اين مجلسنا ؟ في ظلمة الله الليل ارعاها وترعاني وأين ،، لا أين ،، ساعات مفضلة كانت بما راح فيها خير ازماني؟ أيام كنا وذاك الروض يجمعنا جمع الازاهر في باحات نيسان إن عز يوما على الايام عودتها فالحلم يا طير ادناها وادناني
————————— اما الهجوع فلا هجوع مذ ان خلت منها الربوع الا اذا سمح الزمان يوما لحبي بالرجوع
————————— إنا واياكم نجمان في فلك يديره الحب في آفاق ماضينا مهما اختصمنا فإن الشوق يجمعنا او افترقنا فإن الحب يدنينا فما ترى اليوم من صبري ومن جلدي فللكرامة فضل في تأسينا
لم تتكر تجربة كسر المتوقع في الأسرة الحاكمة السعودية حيث خروج اللامألوف (شاعر فصيح) من حيث النمط المألوف وفق المساحة البدوية، وهذا مما جعل تجربة عبد الله الفيصل تجربة مغايرة دون االنظر لجودة ذلك الشعر من عدمه. لكن العتبة الأولى الخطيرة في ديوان عبد الله الفيصل هي عتبة الأسمين (الاسم : الجذر / الاسم اللقب : محروم) وهذا أول ما يصطدم به القارئ حيث هوس الإنسان لإعادة المسميات الجذورها ولمحاول مطابقة الواقع بالمتخيل.
ربما أكثر ما يقف عنده القراء في السعودية والخليج أولًآ والعرب ثانيًا هو كلمة (محروم) التي أطلقها الشاعر عبدالله الفيصل على نفسه إذا ما عرف أنه (أمير بل وابن ملك ؛ الملك فيصل) فمن أين يأتي هذا الحرمان لأمير صاحب وزارتين وابن ملك وجده ملك وأعمامه من قبل ومن بعد ملوك؟،. وللإجابة أضع هنا مقطع من مقدمته هو لديوانه حول تفسير هذا اللغط الذي وقع فيه الكثير. فأخترت هذه المقاطع من مجموع (8) صفحات :
((.... الحرمان مرادف للشقاء , أو بداية له , أو هو دليل عليه , والشقاء عكس السعادة . والسعادة ماهي ؟ وفي أي شيء تكون ؟ هل هي في المنصب والجاه ؟ أو هي في الأمارة والوزارة ؟ أو هي في الشباب والجمال ؟ أو هي في الثروة والمال ؟ إن كانت كذلك فأنا سعيد كل السعادة.. ولكنك تعلم يا عزيزي القارئ أن السعادة ليست في كل هذه الصفات و المميزات. إن مقرها في النفس ومنبعها من الإحساس..)) ص 13 - 14.
((.... أنت محروم من السعادة إذا فقدت الإحساس بها ولو اجتمعت لك كل متمماتها واعتباراتها .. لماذا ؟ لأن إحساسك متأثر بعوامل أخرى من الألم والأسى تشغله وتستأثر به عن الشعور بالسعادة .. ولهذا وحده أنا محروم....)) ص 14 .
((.... وعلمتني الأيام – ياصديقي القارئ – أن المركز الخطير والنفوذ الكبير، والمال الوفير، كلها مجتمعة، مدعاة لتغيير أسلوب الناس في معاملتك، فهل ما أحس به الآن من معاملة خاصة أو عامة لم يكن إلا لأني إنسان يستحق هذا عن جدارة، أو لأنني أتمتع بهذه الميزات الثلاث؟ لعل ذلك من بعض دواعي شعوري بالحرمان)) ص 18 أنتهى
الغريب أن عبد الله الفيصل (1922 - 2007م) عاصر شعراء سعوديون كبار ووجدت شعره أقلهم حرارة وأبسطهم معنى وأكثرهم تكلفًا وإستخدامًا للمفردات المهجورة التي تنام آمنة مطمئنة في دواوين شعراء الجاهلية والعصر الأموي والعباسي. لم أعجب بهذا الديوان ألا ببضع قصائد، وأبيات متفرقة كانت رقيقة فقط، ومن هؤلاء الشعراء الكبار في محيطه السعودي طاهر الزمخشري "بابا طاهر” (1906 - 1987م)، وحسين عرب (1919 - 2002م)، ومحمد السنوسي (1924 - 1987م)، وحسن عبد الله القرشي (1934 - 2004م)، وحسين سرحان (1916 - 1993م)، ويحيى توفيق حسن (1929م)، وغيرهم كثير جدًا ومع ذلك لم يكن حظ شهرتهم بمثل حظه وهم جميعهم أجمل منه شعراء وقصائدهم في المجمل غاية في الروعة ويغلب عليهم عدم التكلف خصوصًا السنوسي والرقيق يحيى توفيق. لكن ربما خدم الأمير عبد الله الفيصل مكانة أسرته ومحاولات تودد الكثير له وهو ابن ��لك وحفيد ملك وهذا ساهم في شهرته وقد قرأت له (وحي الحرمان) و(حديث قلب) وله ديوان ثالث أظنه (مشاعري : شعر عامي) لم أطلع عليه لكني أعرف بعضه وقد غنّيت بعض قصائده.
صدر هذا الديوان بطبعته الأولى (1953م) – حسب مقدمة الشاعر – بينما كتب على الغلاف (1981م) في (153) وهي قصائد عاطفية ليس غير قصيدة أو أثنتين كانت وطنية. كنت كلما أنتهيت من قصيدة لا أجد تجديدًآ في القصائد التالية حتى نهاية الديوان وحتى ديوانه الآخر كذلك، وفوق ذلك هو يكتب القصيدة وفق نمطها الكلاسيكي حيث قوة اللغة – وهذا واضح – وكثرة الألفاظ مع قلة تكرارها وهذا لسعة المخزون اللغوي. وتكاد تجد لديه كل مفردات العشق لرومانسيته فلهذا هو محسوب على المدرسة الرومانتيكية.
أجده بقى وفيًا وفق هذه المدرسة حتى عند القراءة ولم يطلع كثيرًا على التجارب الشعرية التي برزت منذ (1940s) حتى صدور ديوانه الثاني (1980م) وإلا لكان شعره قريبًا لنا، وقد أشرت للأسماء السعودية السابقة وهي ممن أخذت وغرفت من القديم والجديد والمترجم لكن عبد الله الفيصل وكأن الزمن توقف به عند شعراء من أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وسامي الباردوي وبشارة الخولي وخليل مطران رغم أنني كنت قرأت له أن قرأ لنتاج مدرسة "أبو لو" التي برزت في (1930s)، وحقيقة أستغرب عظيم الثناء على شعر عبد الله الفيصل فهو إما جهل مني وعدم إحساس مني بالشعر – وهذا وارد جدًآ – أو أنه التودد لإبن السلطة والتزلف والنفاق النقدي وهو منتشر في (كل) دول العرب.
قصيدة (عواطف حائرة) التي جعلت "أم كلثوم" عنوانها : ( ثورة الشك) ص 54 – 57 أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت مني يقول الناس إنك خنت عهدي ولم تحفظ هواي ولم تصني وأنت مناي أجمعها مشت بي إليك خطى الشباب المطمئن وقد كان الشباب لغير عود يولي عن فتى في غير أمن وها أنا فاتني القدر الموالي باحلام الشباب ولم يفتني كأن صباي قد ردت رواه على جفني المسهد أو كأني يكذب فيك كل الناس قلبي وتسمع فيك كل الناس أذني وكم طافت علي ظلال شك أقضت مضجعي واستعبدتني كأني طاف بي ركب الليالي يحدث عنك في الدنيا وعني على أني أغالط فيك سمعي وتبصر فيك غير الشك عيني وما أنا بالمصدق فيك قولا ولكني شقيت بحسن ظني وبي مما يساورني كثير من الشجن المورق لاتدعني تعذب في لهيب الشك روحي وتشقي بالظنون وبالتمني أجبني إذ سألتك هل صحيح حديث الناس خنت؟ألم تخني