تجسد هذه الرواية واحدة من أهم القيم الإنسانية الغائبة، قيمة الوفاء، لتحل الخيانة دمًا يسري في أوصال الزوجة الغادرة، لتدفع بـ«حسن» للهجرة.. وهناك في كندا يلتقي شابة مصرية تدرس التصميم والفنون، تبدد ما كان من جرح قديم. في محاولة ماكرة من الزوجة السابقة تقنعه بالعودة واستمرار زواجهما، يستجيب لها، فيتلقى صفعة قوية من القدر، يقرر الهروب مرة أخرى ليتمم زواجه بالشابة، وبينما تستعد هي للزفاف السعيد، يحدث أن يحول بينهما قدر غريب آخر، ليس بين أقرانه سوى الأسوأ. تدور الأحداث في سرد عاطفي عنيف، وحالة اجتماعية شديدة السوء، يعيشها حسن ومن حوله من أبطال الرواية.
السيد جمال قطب، كاتب مصري، من مواليد الفيوم 1987، اجتاز المرحلة الثانوية في ٢٠٠٤، ثم التحق بكلية التربية بجامعة الأزهر، وتخرج بدرجة الليسانس في الآداب والتربية بقسم اللغة الإنجليزية في 2008.
عمل بالتدريس في مبدأ حياته، ثم خاض مرحلة الدراسات العليا، بإحدى الجامعات المصرية، بجانب عمله كمترجم حر، ليتوقف بعدها فترة، متفرغًا للكتابة والترجمة، مدفوعا بالظروف الاجتماعية في مصر، ومدى ما لحق بالمجتمع من تغيرات، ما يتعلق بقضية القومية العربية، والهوية المفقودة، والتفكك الاجتماعي، والعلاقات العاطفية، ووعكات فكرية أخرى.
سافر "قطب" للعمل بالمملكة العربية السعودية، وهناك بدأ تدوين روايته الأولى "عاهدتك"، على إثر محاولات شعرية وقصصية على شبكة الإنترنت، ومنصة "يوتيوب" لنشر المحتوى المرئي، ومحاولات أخرى للكتابة لم يُتح الاطلاع عليها إلا للمقربين منه، وحاز لقب "نجم الرابطة" برابطة "المترجمين الفريلانسرز" للعام ٢٠١٦.
وتأثر "قطب" بكبار الكُتَّاب الشرقيين، أمثال عباس العقاد، وتوفيق الحكيم، ومصطفى صادق الرافعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وكذلك أدب الأطفال، والقصة البوليسية، ومقالات بالصحف المصرية ذات الطابع القومي والمؤسسات الصحفية الكبيرة بمصر.
خرجت روايته الأولى «عاهدتك» في منتصف العام ٢٠١٧، كقالب جديد، اعتبره البعض قد غاب عن الساحة الأدبية، خاصة بعد شيوع الأدب الرومانسي وقصائد العامية، وروايات الرعب، في قالب اجتماعي، يناقش مشاكل الأسرة المصرية، والأزمات العاطفية بين الأزواج، مستغرقا في عرض المشاكل، ومستعينا برقة اللفظ العربي، وشاعرية التعبيرات، في سرد روائي، يعود بنا إلى كلاسيكات الاجتماعية المصرية، والتي صيغت في قالب درامي أمثال مسلسلات "الوتد" و "السيد أبو العلا البشري" وغيرها.
يمكن متابعتش بشغف كبير "عاهدتك" للكاتب الشاب #سيد_جمال، وقت ما كانت حلقات موجودة، لكن خروج العمل في قالب روائي وإعادة إحيائه، أضاف له الكثير، لكن لنبدأ قراءتنا النقدية:
- الكتاب يخرج في 126 صفحة تقريبا، في قالب روائي يرصد شخصية حسن، برفقة مجموعة من الأبطال، لتجسيد حالة من الفراق واللقاء، بمنظور محافظ إلى حد كبير.
- شخصية الكاتب وبحكم قربي منه، كانت واضحة في كثير من أحداث الرواية، يمكن كتير من اللي قرأوا العمل، اتهموا الكاتب بمحاولة إظهار "حسن" بطل الرواية بشكل مثالي لكني حسيته مشوش وغير واضح إلى حد كبير، أو يمكن حمله على البساطة والنقاء داخلي، لكنها ليست مثالية، وليست معقدة في الوقت ذاته إلى حد كبير.
- الكتاب قد يحمل بشكل أو بآخر أسلوب كلاسيكي، يهرع من عمق التعبير، إلى شهير اللفظ ومن تعقيد الأحداث ومن تشابك أدوار الابطال، إلى اللغة السردية البسيطة، يمكن ما قرأتش حاجة بالأسلوب ده من آخر مرة قرأت فيها #وحي_القلم و #النظرات للمنفلوطي، قالب كلاسيكي بحت، فيه من الجمال، اللي يخليك تتسحب وراه، بغض النظر عن إني مثقف مغرور ومش أي حاجة تسحبني وراها، لكني اتسحبت.
- التحولات الدرامية في أي عمل فني، هوَّا أحد أصعب مهام الروائي، لكنها بشكل أو بآخر مرت بلين شديد، حتى أنك لو امتحنت حد في الرواية هيقدر بمنتهي السهولة، إنه يقولك ماذا حدث في الصفحة السابقة للصفحة التي يقرأها.
- طبعا اللغة أهم حاجة، والكاتب هنا اشتخدم الكثير من محسنات البديع والبيان، وخرج على القالب الوصفي، بقالب آخر سردي، وفي نفس الوقت، هتلاقي إن فيه كلمات تكررت داخل الرواية لكن لا يدرك كثير القراء مغزاها، لغة القرآن الكريم وألفاظه، ما لا يعلمه كثير القراء كما قلت.
- يمكن مش شايف قوي؛ إن الكاتب تقمص الأسلوب الرومانسي، بطريقة العزف المنفرد، هو وهي ولا شيء آخر، بل كان فيه شيء من التداخل، والترابط، بين أحداث الرواية لا بين شخصياتها.
- نيجي بقي لشخصية "ميَّان".. أنا مش شايفها غادرة وخائنة زي ما الكاتب حاول يصورها في الرواية، لكن شايفها، متوترة ومضطربة، مشوشة وغير واضحة المعالم النفسية، وكان منطقي إن بعد التقلبات الكتير دي، يحصلها حدث يغير حياتها، ويكون من معالم نهاية الرواية.
- بينما جميع الأبطال يظهرون ويختفون، يظل "حسن" موجودًا في كل مشاهد الرواية، عزف منفرد، في الروايات المألوفة لازم يكون فيه كثير من التعقيد، ما جعل أظن "حسن" هو ساعة الرواية، وبناءها، وما عداه، لا قيمة له، لو شيلت حسن، لن تكون الرواية، لأنها التي اتسعت صفحات الرواية كلها، ما كان له الأثر السيء على بناء الرواية.
- أسماء الشخصيات، رمزية إلى حد كبير، ده هيخليك تسرح معاها، الكاتب بيقدر في وقت م الأوقات إنه يخلي الاسم اسما لغاوية، وغانية، وملتزمة، لكن الكاتب قدر يخرج على كل القوالب التقليدية، وده مش جديد، هتلاقي فيه روايات زي "الهاوية" كل أبطالها حروف "م .. ن .. و .. ب" وخرجت في صورة بهية، تسر الناظرين.
- من عيوب الرواية، اللي استوقفتني كتير، التحولات الدرامية السريعة، الراجل في أول عشرين صفحة بيكون حب وخطب واتجوز، وبدأت المشاكل، وده بينال من الرواية بشكل كبير، وبيفقدني أنا على المستوى الشخصي، لذة المتابعة.
- كذلك من العيوب، تباين الفقرات الشعرية، وطولها وقصرها، والتوسع في سردها ونظمها، ده شفته فيه كثير من المبالغة، مش عاوز أقول من الحشو.
- الكاتب بينزح ما بين فقرة وأخري في بعض الصفحات إلى أسلوب تكرر مرتين على الأقل في بناء الرواية، زي مشهد "حسن" وهو متجه لبيت "ميَّان" لخطبتها، واستطالة غير مريحة على الإطلاق، زي "ثغاء الخراف، ومأمأة الماعز، وحفيف الأشجار.....إلخ" وفقرة تانية في آخر الرواية، وهي استطالات وصفية بحتة، بلغة عربية فصحى، في رواية تخرج في قالب سردي قائم على الأحداث، كانت بتفصلني.
- "حسن" أحزانه متشابهة إلى حد كبير في الرواية حتى الأسلوب، حسيته بيكرر الكلام، في نفس الوقت اللي بتظهر شخصيات وتختفي دون أن نعرف إلا سطور عنها، "سلمى ود. إبراهيم، والد ميَّان، شقيقها وفاء" وأعرف أنها لم تكن شخصيات رئيسية لكن كان ليها دور مهم في سير الأحداث.
- العناوين اللي خرجت فيها فصول الرواية، كانت سهلة، بسيطة، كان ممكن نعملها أرقام وتبقى أكثر غموضا، أو جمل مبهمة، مش جمل قصصية، لدرجة إنك لو فصلت كل فصل عن اللي بعده، لاكتفينا بها قصة، ما كان سيجعل الرواية قطعا وأشتات، لولا أن الكاتب أنقذ نفسه، وتمسك بالقالب السردي لا الوصفي، وبينهما شاسع الفارق.
- التراكيب اللغوية، لها قيمتها داخل العمل، لكن الكاتب كان واخد منحنى، فيلجأ للبساطة حينا، وللتركيب الفصيح حينًا، لكنها لم يخل ببناء الرواية كثيرا.
- النهاية كانت أمتع ما في الرواية بالنسبة لي، بعدما قلبت عليا شيء من المواجع القديمة، لكني رجعت تاني، وممتاز الكاتب في تخيل نهاية كهذي.
- طبعا بغض النظر إن الكاتب صديق شخصي، إلا أني حاولت أحط إيدي على كل مناطق القوة والضعف، وعجبني الإهداء، والتوقيع.. هي تجربة جيدة إلى حد كبير بكل حال، وننتظر عملا، أقوى وأقوى، وإن شاء الله يكون ليا تقدمة مناسبة للرواية في حفلات التوقيع القادمة، بما إني يعني ملحقتش الحفلة بسبب ظروفي، واعتذرت عن التقديم، لكن ملحوقة يا عمهم.
وهنا أكون خلصت، وإلى اللقاء في مراجعة نقدية جديدة، لكتاب جديد.