ﻻ أحد يدري مالذي يجري في مداري، فالحابل فيها يختلط بالنابل, والوغد بالنبيل. مداري، المدينة الجنوب سودانية الخافقة بالألوان والأعراق. هاك ذراعي تمسك بها فاصطحبك في جولة سريعة في هذه المدينة السحرية.
دعني أدلك على دكان رابح مديني أولا، المغامر الشغوف, المهرب العابر للحدود. ستجد في حانوته كل ماتشتهيه نفسك: السجائر المهربة والبهارات المستوردة، الشراب المعتق موجود, وحناء القرود متوفر أيضاً. فلتغض الطرف عن تلك اللوحة الغريبة التي تزين واجهة المحل، لعلي أخبرك عنها لاحقاً. ولكن دعني أخبرك بأن هذا التاجر الفذ لا يدري أين اختفت حبيبته الأفريقية ذات الرقصة المحمومة، ولم يدر حتى ما سر المرض الذي ألمَ به.
هلم معي نحتسي الشاي عند ملكة الشاي، وأخبرك عن لوحة الجنية التي على واجهة المحل. نعم جنيَة,، ظننتك قد خمنت ذلك! ولكن لحظة، لقد نسيت أن ملكة الشاي قد هاجرت منذ زمن، تثقل كاهلها فضيحة تتأرجح مابين رائحة المانجو المتخثرة والصوت الأجش. رحلت لتتلقى الخيبة تلو الأخرى، ولا عزاء لها سوى عدة الشاي الذي تبرع في تحضيره، و (تيلا) الذي لم يقصر أبدا. تيلا الذي لم تدري ملكة الشاي لم ولّى الأدبار بعد أعوام من الإقدام والتفاني.
لا تُجفل فما هذه الضوضاء إلا نفير السيرك؟ ماذا؟ ألا تعرف سيرك عمبابا حيث تشاهد الفيلين العجوزين وتحدق في الكلب الذي يرقص شجن الغرام والساحرة ذات العينين الخضراوين؟ ألم تزره يوماَ لتنصت إلى نشيد آدم وحواء؟ فلتذهب إذن ولتسمتع بالعجائب والغرائب, ولكن إياك أن تستمع لنبوءات (ندمان قل) وخزعبلاته. لا تقل أنني لم أحذرك! فلا أحد يدري من أين أتى وإلى أين ارتحل. وحده عمبابا يعرف، ولعله أيضا الوحيد الَذي يعلم بسر الجريح.
لن تملك سوى آن تشفق على الجريح. فهو لايدري لم أطلقت عليه هذا الاسم النادر الذي سيجعل الكثيرين يقرنونه بأغنية "اجرحني ياجريح". كما أنه أيضاَ لا يعلم عن أصوله سوى النذر اليسير، وحتى ذلك لا يخلو من الأكاذيب.
تعال لأعزمك على فنجان قهوة في مقهى الحنين، فلعلك مثل أغلبية رواد هذا المقهى، تائه عن وطن، أو مهاجر ضلّيل. أترى ذلك المتأنق الوحيد الجالس في الزاوية القصية؟ لا تلتفت نحوه فيلاحظنا! كلا ليس أوروبياَ ولم يأت من شمال أفريقيا بل هو حضرمي، نعم، حضرمي. هذا مبلغ علمي، أما مالذي يقرص ملامحه ويجعل دمعا يتيما يترقرق في عينيه، فلا علم لي. لعلها أنياب الندم؟ أو لربما مخالب الغربة؟ لست أدري.
ما أعرفه حق اليقين هو أنك ستلج عالما أخاذا بين طيات هذه الرواية. فإن كنت من عشاق الواقعية السحرية فلا تتردد. هذا منتج سوداني عالي الجودة، حريف المذاق، تماما كالشاي الذي تصنعه رضيانة الخضر....رضيانة ملكة الشاي.