الكتابة في الوقت الراهن عن الرافعي وأمثاله ممن تغيوا الحفاظ على هوية الأمة أمر واجب تحتمه الظروف الراهنة التي تعيشها أمتنا، وسط المحاولات الضاربة التي تستهدف بنيانها من القواعد، إذ للرافعي خصوصية كبيرة بين كتاب عصره، وهو ما وضحه تلميذه محمد سعيد العريان بقوله: "فالرافعي أديب الخاصة، كان ينشئ إنشاءه في أي فروع الأدب ليضيف ثروة جديدة إلى اللغة تعلو بها وتعز مكاناً بين اللغات". ويأتي هذا الكتاب تتمةً للجزء الأول من مقالات الرافعي الذي سبق للمجلة العربية نشره، وحظي بإعجاب شديد، عكسه ذلك الإقبال الكبير على الكتاب في معارض الكتب السابقة.
درّة الجزء الثاني من المقالات المجهولة هي مجموعة نقد الرافعي لديوان وحي الأربعين للعقاد، وهي مقالات بارعة تُذكّر كثيرًا بنقده اللاذع للعقاد في كتابه الآخر، على السفود، وإن كانت مثله، لا تخلو، في بعض نواحيها، من التعسّف، أقولُ بعض، لأن في هذا النقد الكثير من الإحسان وبراعة الالتفات والإحساس القويّ بالمعاني الجميلة في الشعر، في غير شعر العقاد بالطبع، فهو لم يثن عليه قط! – ولكن هذه الكلمة الأخيرة هي سبب هذا التعسّف، فشعر العقّاد، والله! فيه الجميل والرائق الذي يأتي من أعمق الشعور الإنساني، وليس كلّه من شعر التفكير والمطالعة والاستغراق في أفكار الآخرين، نعم، في شعر العقاد الكثير من الفلسفة والتفلسف، نسلم بهذا كثيرًا، وهذا واضح، وقد صدق الرافعي مثلاً في استشهاده بقصة كعب بن زهير، وسؤاله أباه، الشاعر العظيم، عن رأيه في بعض شعره، ليجيب أبوه: "يا بُنيّ إنّ أباك ليعرض له مثل هذا يمينًا وشمالاً فلا يلتفت إليه"، نعم، فما أراه حقًا في شعر العقاد، وهو كثير، أن به الكثير مما كان يحسن عدم إثباته، لأنه من وسط وسيء الشعر، على أن فيه أيضًا فرائد لا تُنكر، ولا أماري في أن مثل نقد الرافعي لديوان وحي الأربعين، كان مصيبًا في بيان هذا الوسط والسيء من الشعر، ولكن أن يقول إنه جميعًا من هذا الوسط والسيء، ولا يبرز به نقطة حسناء واحدة، ويرمي صاحبه بالتهم الكثيرة في سلب الشاعرية والإحساس والذوق وحسن البيان، فهذا فيه من التعسّف ما فيه
يقول العقاد في وحي الأربعين: أرى الشمسَ روحانيةً في جمالِهَا وإلا فما بالُ النفوسِ بها تسمُو؟! إذا فاض منها النورُ هزَّتْ قلوبَنا سعادةُ رُوحٍ ليس يعرفها الجِسْمُ ولو أنها من لذة الحس عفتها كما قد يعاف اللمح والسمع والشَّمُّ كرهتُ من الدهرِ الكثيرَ ولم يزل بقلبيَ من شمسِ النَّهارِ هوًى جمُّ تُرى كلَّ يوم وهي عندي كأنَّها غريبٌ عرا، لم يُدرَ وَصْفٌ له واسْمُ عجبتُ لأرضٍ تخطر الشمسُ فوقَها وتُشرِق فيها، كيف يطرُقُها الغمُّ!
أهذا من شعر التفكير وتأملات شخص لا يرفع بصره عن الكتب وأفكار الآخرين؟ وهل هي سوءة في ميزان البيان واللغة والتعبير؟!
ويقول أيضًا كاتبًا إلى ميّ زيادة، خلال رحلتها إلى روما: أنتِ في روما وفي مصر أنا بعدت شقتنا لولا النجاءْ بيننا جيرة نور ساطع فوق رأسينا، ونور في الخفاءْ أرقبُ البدر إذا الليل سجا فلنا فيه على البعد لقاءْ وأرودُ الشعر في مثل الكرى فإذا فيه من الطيف عزاءْ حُلُمُ الصادي! فمن يوقظه وعلى فيه من الماء شفاءْ أنتِ يا «ميُّ»، وهل أنت سوى حلم في يقظة القلب أضاءْ؟!
فهذا شعور صادق على مدى شوقه إليها وهي بعيدة عنه، ولكن كيف إن جاء النقد المتعسّف ليطرح القصيدة التي منها هذه الأبيات، ويلتقط منها بيتًا واحدًا ويقول فيه أيّ نقد والسلام، فالعقاد عندما يقول لميّ إن القمر واحد بينهما رغم ما بينهما من مسافة: أرقبُ البدر إذا الليل سجا فلنا فيه على البعد لقاءْ
فهو مرتبط ارتباط وثيق بما قبله من الأبيات: أنتِ في روما وفي مصر أنا بعدت شقتنا لولا النجاءْ بيننا جيرة نور ساطع فوق رأسينا، ونور في الخفاءْ
وجيرة هذا النور الساطع هي القمر، الذي هو فوق رأسيهما، إذن فعندما يقول العقاد: "أرقبُ البدرَ"، لأن في البدر اللقاء، فهذا عائد بشكل طبيعي إلى طبيعة هذه الجيرة المنيرة بينهما على البُعد، ولكن الرافعي استلّ البيت بمفرده، ليتساءل: "كيف يلتقي بحبيبته البعيدة في البدر؟!"، ويقول إنّ هذا غير مفهوم، وإنّ المعنى الذي أراده العقاد فلم يحسن سرقته، هو قول الإعرابيّ القديم: إلى الطائر النسرِ انظري كلَّ ليلةٍ فإنّي إليه بالعشيّة ناظرُ عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده فنشكو إليه ما تُكِنُّ الضمائرُ
والطائر النسر اسم كوكب، وفي الأبيات المعنى الحقيقي لدى الرافعي من فكرة "لقاء القمر"، لأن الإعرابي يطلب من حبيبته أن تنظر إلى ذاك الكوكب بعينه في المساء لأنه سينظر إليه أيضًا، إذن ففيه اللقاء، أما بيت العقاد فميّ لا تعرف أن هناك لقاء في البدر، ففسد البيت!
ولكن لا!
فالعقاد لا يطلب هذا اللقاء، بل كان محمومًا بحبّ ميّ حبَّ الظمآن الصادي للماء، وهو الذي يتخيّل من لهفه شوقه إليها أن القمر هو الجيرة المنيرة التي تجمع ما بينهما رغم المسافة: حُلُمُ الصادي! فمن يوقظه وعلى فيه من الماء شفاءْ أنتِ يا «ميُّ»، وهل أنت سوى حلم في يقظة القلب أضاءْ؟!
هذا شوق صادق، وتعبير من عمق النفس، وأشكّ حقًا أن العقاد أطلع على بيت الإعرابي ليضمنه في شعره في هذه القصيدة، فالقصيدة كلّها فيها رائحة الصدق، لا الفلسفة والتعبير عن أفكار الآخرين.
..
على أني آسفت حقًا من ردّ العقاد على الرافعي في هذا النقد، وإن أدري أن الرافعي في نقده قد يكون مستفزًّا، وأن العقاد وقع في حمأة هذا الاستفزاز، ولكن ما كان أنزهه أن يبتعد عن تعيير الرافعي بعلّته التي ليس له يد فيها! رحم الله الجميع وعفا عنهم.
وشكرًا لأستاذ وليد كسّاب، محقّق هذا الكتاب، وتقديرًا لرحلته المخلصة في البحث عن تراث الرافعي.