هذه معركتي منذ ربع قرن، دخلت فيها معارك كثيرة، جرجرت فيها إلى المحاكم واتهمت بسببها أبشع الاتهامات، لكني احتملت كل غبار وجراح تلك المعارك لأنني مؤمن بأن قارب نجاة هذا البلد الوحيد ينتظرنا على شاطيء العلم ولا قارب غيره، ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب لتوضيح ماهية العلم المزيف ولمذا انتصر على العلم الحقيقي في مصر للأسف الشديد في مجالات كثيرة، إنها دراما مصرية فيها ميلودراما الفواجع وفيها أيضاً الكوميديا الفارس، لكنها كوميديا سوداء نضحك فيها حتى نختنق بالدموع. شخصت في هذا الكتاب أعراض المرض فقط، لكن العلاج يحتاج جهد كل مسئول وكل مواطن، من الممكن أن تكون أنت بداية طريق الحل، إذا استطعت فقط أن تتساءل لماذا؟، بداية انتصار العلم الحقيقي وهزيمة العلم الزائف هي السؤال والدهشة والفضول، فلتقرأ الكتاب بتلك العدسات المتسائلة المندهشة الفضولية واطرح التلقين والبديهي والموروث جانباً. قارئي العزيز، إذا كنت تطمح لقراءة كتاب من ريش النعام يهدهدك حتى تنام على وسادته فأنصحك بأن تدع الكتاب جانباً، فالكتاب وجبة قلق أرجو ألا تسبب لك عسر هضم!!
خالد منتصر يشغل منصب رئيس قسم الجلدية والتناسلية بهيئة قناة السويس، مقدم ومعد الفقرة الطبية –العاشرة مساء قناة دريم، مقدم ومعد برنامج خارج النص قناة اون تي في، مقدم ومعد برنامج "دين ودنيا" قناة دريم. والمسئول عن قسم الثقافة الجنسية بموقع إيلاف وكاتب بجريدة المصري اليوم. وكتب بجريدة روزا ليوسف -صوت الأمة - الدستور مجلة نصف الدنيا وأشهر الجرائد والمجلات المصرية.
«إن كل شيء أصله ماء، مؤرخو العلم يؤرخون لبداية المنهج العلمي في التفكير بهذه الجملة التي قالها طاليس ٦٠٠ ق.م والتي لولاها ولولا خطأها ما كان العلم».
في كتاب صغير نوعًا ما (١٧٠ صفحة)، يوجز "خالد منتصر" الأسباب التي جعلت العلم "المزيف" ينتصر في عالمنا العربي على العلم الحقيقي من وجهة نظره، من خلال نظرة مجتمعية ودينية وتاريخية، ومقارنات بين نماذج مختلفة لأمم انتصر فيها العلم الحقيقي.
العلم الحقيقي هو الذي له قابلية التكذيب. على هذا الأساس (الذي قال به فيلسوف العلم الشهير "كارل بوبر") يسير خالد منتصر في متاهات العقلية العربية محاولًا اقتفاء أسباب اختفاء العقلية العلمية، فالمعلومة غير القابلة للتكذيب هي معلومة غير علمية مثل الأرواح والأشباح وقصصها الغريبة مثلا.
أما عن الأسباب فيُجملها خالد منتثر في الآتي:
أولًا: كراهية العلم ذاته، واستبداله بأساليب خرافية في الطب مثلا وغيره، وهذا ناتج عن تقديس كبير جدًا نملكه للتراث، أو الرأي القديم بوجه عام. وفي إطار نفس السبب يلفت النظر لنقطة كانت غائبة بشكل كبير عن تفكيري بأمانة وهي ضرورة تحديث اللغة العربية بما يناسب الأغراض العلمية.
ثانيًا: خلط الدين بالعلم بشكل يضر بالعلم والدين معًا. يصدف أنني شاهدت من أيام فيديو لعلي منصور كيالي وهو يشرح الوزن الذري ويقول أن القرآن ذكر أن هناك ما هو أصغر من الذرة "من ١٤٠٠ عام، وهذا دليل على أن القرآن كلام الله" (وهي الجملة الكلاسيكية والأبدية لمقدمي هذا النوع من الأحاديث التي تربط العلم بالدين). وصاحبنا يقول أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا بالوزن الذري! وأن "النقير" في القرآن هو الكوارك! وأن الفتيل هو الأوتار في نظرية الأوتار المعروفة! هذا المنهج من إدخال الآيات في سياق مختلف تمامًا عن غرضها الأصلي، هو ما قصده منتصر في فصلنا هذا. وهو مضر لأسباب كثيرة يضيق بنا المقام هنا لذكرها وإن كان أول تلك الأسباب هي ربط العلم المتغير النسبي، بعقيدة راسخة يقينية. ما يسبب ارتباكًا كبيرًا في حال تغير العلم الذي اعتمدنا عليه لإبراز صحة النظرية العلمية.
ثالثا: استبعاد المنهج العلمي في التفكير، وهو المنهج الذي لا يلزم أن يستخدمه العالم أو الباحث، بل يمكن أن يستخدمه أي شخص عادي أسلوبًا في حياته. (شخصيًا، أرى أن كتاب "التفكير العلمي" لدكتور فؤاد زكريا هو أفضل كتاب عربي يمكن أن تقرؤوه في موضوع التفكير العلمي وشروطه وأنساقه).
يمضي الكاتب في ذكر موضوعات لها صلة بالموضوع، منها مثلا قصص لنبذ العلماء في عصور أوروبا الوسطى مثل جاليليو.
الكتاب مفيد بشكل كبير جدًا، ومحيط بالموضوع من جوانب متعددة، لكن يعيبه من وجهة نظري سلبيات منها: أولًا: الكاتب متشنج في طرح بعض الموضوعات. ثانيًا: الكتابة باللغة العامية في مواضع كثيرة في الكتابة وخلطها بالفصحى يسبب لي -شخصيًا- نوعًا من الحساسية الفكرية. ثالثًا: في مواضع كثيرة كان الكاتب يتشعب لمواضيع فرعية بداخل مواضيع فرعية أخرى، إضافة لميل الكاتب للإكثار من الإطناب والتشبيهات والأساليب البلاغية، وهو ما لا يلائم هذا النوع من الكتب.
المقدمات والمبادئ مهمة وأساسية لكل المهتمين بالتفكير العلمي، ولكن النتائج -خاصة علاقة العلم بالدين- غير موفقة بل وغير منطقية إطلاقاً. الكتاب مهم لمن لم يقرأ في موضوع فلسفة العلم، أو العلم الحقيقي والعلم المزيف من قبل، لكن لن يكون ذا فائدة إطلاقاً للمطلعين عليهما.
الكتاب رائع من حيث سرد و تحليل و تشريح مدي تغوّل الجهل و الأسطورة و الخرافة في عقل الانسان المسلم المعاصر .. فقط. ما كنت انتظره هو حديث مفصل بشكل واقعي و معاصر عن العلاقة الوثيقة بين النظم السياسية المستبدة و حرصها المستميت في الإبقاء علي منظومة الجهل في المجتمعات المعاصرة ..