يضمّ هذا الكتاب اثنين وثلاثين بحثًا محَكّمًا قدّمها مشاركون في المؤتمر الثالث للدراسات التاريخية الذي أقامه المركز في بيروت في الفترة 22-24 نيسان/ أبريل 2016، إذ اجتمعوا ليعرفوا إنْ كان ثمة تاريخ للعرب وحدهم، أو تاريخ واحد للعرب، وليبحثوا في مسألة التحقيب التاريخي العربي.
يقدّم خالد زيادة مدخلًا للكتاب، بعنوان "استخدام الوثائق في كتابة التاريخ العربي"، يؤكد فيه أنّ الوثائق تُبطل استناد التاريخ إلى أخبار الإخباريين أو أصحاب التراجم، بل تُسنده "إلى تراكم المعطيات التي تنقل التاريخ من سرد للوقائع والأخبار إلى مواجهة مع صفحات متحركة ومتطورة تتضافر فيها مجموعة من المعطيات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فضلًا عن دور الدين وحركاته في تفسير علاقات السلطة بالفئات المجتمعية، إلى تطور الأسعار والغلاء وحركات العامة والثورات، ثمّ الانتقال من المؤسسات التقليدية إلى المؤسسات الحديثة". وبحسب زيادة، تضع الوثائق الشرعية والحكومية والقنصلية والتجارية المؤرخ على تماسّ مع العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والإحصائية، ولا تحدث أيّ كتابة تاريخية معاصرة "من دون العودة إلى الوثائق والاستناد إليها واعتبارها مصدرًا رئيسًا لهذه الكتابة، اعتمادًا على منهجيات علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا وتقنياتها، من أجل تجاوز الكتابة التاريخية المؤسسة على فرضيات أيديولوجية".
تحقيب تاريخي
في الكتاب ثلاثة أقسام. يتألف القسم الأول، "كتابة التاريخ العربي حقلًا وتحقيبًا ومنظورًا"، من عشرة فصول. في الفصل الأول، "نحو مقاربة منهجية لدراسة التاريخ العربي من منظور التاريخ العالمي: مسألة النظر إلى الثقافات الأخرى"، يرى أحمد الشبول أنّه لا بدّ للمؤرخ الجادّ من أن يكون منطلقًا من وعيه بأوضاع عصره، ومن موقعه الجغرافي. ويتساءل: أليست إحدى مهمات المؤرخ العربي الجادّ أن يكون ابن عصره كمفكّر فاعل بالمعنى الإيجابي، حتى لو كان يؤرّخ لعصور سابقة؟ أليس من مهمات المؤرّخ العربي أن يسعى لأنْ يكون إنسانيًا في توجهاته؟ ألا يحسن بالمؤرخ العربي المعاصر أن يتجاوز دائرة التخصص الضيّق، والتحقيب المصطنع أحيانًا، ويستفيد من مناهج المختصين بالعلوم الاجتماعية والنقد الأدبي والأدب المقارن؟
في الفصل الثاني، "مشكلة التحقيب: التاريخ العربي الإسلامي أنموذجًا"، يجد أحمد أبو شوك أنّ تقسيمات الزمن التاريخي استندت إلى الفضاء العالمي المفترض، أو البُعد الحضاري المرتبط بنشوء الحضارات وسقوطها، أو الحوادث المفصلية في المسار التاريخي، أو الانتماءات الأممية أو القومية للشعوب، إذ يقول: "أمّا عملية التحقيب نفسها، فهي من صِنْعَة المؤرخ الذي يتَّبع معايير متغيرة، تخضع لتصوره المنهجي لكيفية تشكّل الحادث التاريخي، والمدرسة التاريخية التي ينتمي إليها؛ لذلك نجد حدود التحقيبات لا تستقر على نسق واحد".
الفصل الثالث، "الربيع العربي حلقة جديدة في التحقيب التاريخي: الإرهاصات التأسيسية لكتابة تاريخ غير مدون"، يسمي إبراهيم القادري بوتشيش الربيع العربي "حقبةً جديدةً"، فيرسم المتغيرات التي عرفتها بنية الذهنية العربية في تزامنها مع وقائع الربيع العربي، ومع الطفرة التكنولوجية والثورة الرقمية العالمية؛ من خلال دخول المجتمع العربي في الزمن السيبراني، وتحوّل التفكير في طرائق التغيير، والانتقال إلى التغيير الناعم، أي السلم والحوار، بدلًا من التغيير بالانقلابات والعنف.
ذاكرة وهوية
يؤكد محمد مرقطن في الفصل الرابع، "الحضارات القديمة في البلدان العربية ومسألة تكوين الهوية التاريخية لأمة العرب"، أنّه لا بدّ للباحث في تاريخ حضارات الجزيرة العربية من استخدام نقوش الجزيرة العربية وكتاباتها قبل الإسلام. فمن غير الممكن الاعتماد على مصادر التراث العربي الإسلامي منفردةً في كتابة التاريخ العربي الإسلامي، ولا بدّ للمؤرخ من استخدام المنهجيات والمعايير العلمية العالمية التي توصلت إليها العلوم الحديثة في مجال العلوم الإنسانية. ويلفت الانتباه إلى الدور الذي تؤديه الحضارات القديمة في بلاد العرب في تكوين الشخصية والهوية التاريخية العربية.
في الفصل الخامس، "البحث عن الزمن الضائع: صراعات الثورة والذاكرة والعدالة في مصر: البحث عن زمن جديد"، يقول محمد عز الدين إنّ الثورة المصرية وضعت الفكرة التقليدية عن الذاكرة بوصفها مستودعًا، أو مخزنًا، للذكريات أمام تحدٍّ مفاهيمي وسياسي عميق. ويكمن التحدي النظري في كيفية التعبير زمنيًا عن الحاضر المتفجر، والتعبير مفاهيميًا عن حادث متغير وفياض ومفتوح الأفق، خصوصًا أنّ محاولة حصر الحادث الحاضر في مسمًّى، أو "دال"، محدد ومحكم؛ مثل انتفاضة، أو عملية ثورية، أو حتى أزمة سياسية، محاولة قاصرة، تنطوي على درجة من التشييء والتطبيع.
في الفصل السادس، "في منهجية كمال الصليبي: 'التوراة جاءت من جزيرة العرب'"، يسلط عبد الرحمن شمس الدين الضوء على ما يُعَدّ من أكثر النظريات إشكاليةً في التاريخ التوراتي، قائلًا: "كما هو معلوم، قام الصليبي برسم خريطة جديدة لأرض التوراة الأولى، بعيدًا عن فلسطين في جنوب غرب شبه جزيرة العرب"، معتمدًا في بحثه في الجغرافيا التاريخية للتوراة على أسماء الأماكن المذكورة في التوراة، ليحدد المجال الجغرافي الذي شهد الحوادث التوراتية الأولى.
مقاربات ومصادر
يتناول عمار السمر في الفصل السابع، "من المقاربات الرسمية لكتابة التاريخ العربي"، تجربتين لكتابة التاريخ: الأولى سورية، والثانية عربية، حاولت كلتاهما كتابة تاريخ العرب من منظور قومي، مع الفرق الشاسع بين معنى القومية ومفهومها عند حزب البعث ومعناها ومفهومها عند جامعة الدول العربية. ويذكُر أنّه كانت هناك نقاط التقاء وتشابه بين التجربتين من حيث المشروع الأولي ومخطط العمل فحسب، ويعود ذلك إلى مشاركة بعض واضعي المشروع الأول السوري، أي مشروع كتابة تاريخ العرب، في وضع أُسس المشروع الثاني العربي، أي الكتاب المرجع في تاريخ الأمة العربية.
في الفصل الثامن، "البحث في التاريخ الاقتصادي العربي: مقاربة أستوغرافية لدراسة ا...
Various is the correct author for any book with multiple unknown authors, and is acceptable for books with multiple known authors, especially if not all are known or the list is very long (over 50).
If an editor is known, however, Various is not necessary. List the name of the editor as the primary author (with role "editor"). Contributing authors' names follow it.
Note: WorldCat is an excellent resource for finding author information and contents of anthologies.
كتابة التاريخ طريق مليء بالمفخخات الايدلوجية وهنالك خلط بين ما في الذاكرة والتاريخ الحقيقي والاسقاط الزمني وظاهرة اندماج التصور بالواقع وأخطر ما ينتج عن ذلك هو الشطط أو الانحراف أو سوء استخدام المعلومة أو توظيفها أو السكوت عليها أو طمسها أو نبذها وكلها أمراض مهددة للمعرفة التاريخية. هنالك انقطاعات وفترات غامضة في التأريخ العربي ، كيف حدثت هذه الانقطاعات وكيف طمست؟ وفي اي سياق حدثت؟ كيف نؤرخ للحظة قطيعة؟
تاريخ الحضارة الاسلامية مثالاً وكلما تجلت محاولات التأريخ لفتراتها الطويلة والعهود التي توالت منذ فجر الإسلام المحمدي ونشوء الدولة الإسلامية من خلافة أو سلطنة أو امبراطورية،تكونت في حدود جغرافية بشرية عربية أو تعربت بعد ذلك، أو بعيداَ تمتد إلى أفق تركي وإيراني وهندي وأحياناً صيني شرقاً أو الى إيبيري أو رومي أو بلقاني غرباً وشمالاً فحينها يجتهد المؤرخ المعاصر ويضيف البعد الإسلامي صفة لذاك الأفق فيصبح حينئذ "التاريخ العربي الإسلامي" أو "الإسلامي خالصة" أما إذا تقلص يصبح تاريخ إمارات أو أسر حاكمة أو غيرها أي تاريخ أقطار أو مدن أو سلالات أو سير وتراجم شخصيات داخل الحدود العربية والاسلامية كما فعل المسعودي أو الطبري في تاريخهما كاتب التاريخ العربي لا يمكنه أن يحجب الطبائع والقوميات والإثنيات والهويات الثقافية والحضارية المختلفة أي خصائص الشعوب والأقوام والمجتمعات وهكذا لا يستطيع التاريخ الاسلامي ان يتجاهل تواريخ قومية فارسية أو تركية أو آسيوية شرقية أو مشاهد جزئية في كل مجتمع إذ يلجأ المؤرخ المعاصر ذو النزعة الشمولية ولا سيما اذا كان مستشرقاً موسوعياً وينظر من الخارج إلى استخدام مصطلح الشعوب الاسلامية تبقى مع ذلك المفارقة دالة وفاقعة
قرأت خمسة أبحاث منه كما شاهدت بعض جلسات المؤتمر على اليوتيوب:
يضم الكتاب مساهمات المشاركين في المؤتمر من مختلف التخصصات و الفترات الزمنية و المناطق الجغرافية: من تاريخ العرب قبل الإسلام، مرورا بالتاريخ الإسلامي و انتهاء بالتاريخ العربي المعاصر. و لعل ما يميز الكتاب هو التركيز بشكل أكبر على التأريخ “أي تاريخ الكتابة التاريخية و أسسها المعرفية و المنهجية” أكثر من التاريخ . الكتاب مهم للباحثين في التأريخ تحديدا لما يحتويه من أفكار و ملاحظات جيدة و كذلك المراجع و المصادر المذكورة في ثناياه. . . لكن هناك ملاحظة مهمة وهي أن التوسع في المجال الزمني و الموضوعي و الجغرافي للكتاب أصابه بشيء من التشتت الذي يجعل إلى حد ما من الصعب الربط بين فصول مواضيع الكتاب حتى يحقق التكامل و التناسق و الترابط المعرفي المنشود في أي عمل كتابي. و لعل هذه السلبية نجدها في كثير من الكتب التي هي نتاج مؤتمرات. الأمر الثاني أن نتيجة للتوسع في مجال الكتاب يلاحظ تهميش بعض الأقاليم “الجزيرة العربية تحديدا” أو عدم استيفاء بعض المواضيع حقها “مثل موضوع التحقيب الإسلامي الذي أغفل الكاتب بعض الدراسات العربية و الغربية المهمة في هذا المجال”. . . لكن بشكل عام يبقى الكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية في مجال التاريخ و لعله يشجع على العمل المشترك و الجماعي في القضايا التاريخية بين الباحثين العرب. .