لمؤسس لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية الأب جوستاڤو جوتييرث الدومنيكانيّ ترجمة جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ الآن لأول مرة باللغة العربية من دار الأكوينيّ التنديد بالمظالم الاجتماعيّة هو بالتأكيد الموضوع الذي يطغى على وثائق كنيسة أمريكا اللاتينيّة. هذا التنديد يعبّر عن نية الثنائي عن نظام القهر الراهن. «عندما يتوقف نظام عن تعزيز الصالح العام ويفضل عنها المصالح الشخصيّة، فعلى الكنيسة ليس فقط التنديد بالظلم الواقع، بل أيضًا كسر محور الشر» . التنديد بالظلم يعني رفض استخدام المسيحيّة كستار يضفي الشرعيّة على النظام القائم . التنديد بالظلم يعني كذلك أنّ الكنيسة قد تدخل في صراع مع أولئك الذين يمارسون السلطة . وأخيرًا فإنّه موقف يؤدّي إلى الإقرار بضرورة الفصل بين الكنيسة والدولة، حتّى «تتحرّر الكنيسة من روابط السلطة الزمنيّة والتخلّص من الصورة الملقاة على مساندتها لذويّ السلطة. انفصال الكنيسة عن الدولة يحرّر الأولى من مساومات مشبوهة ويجعلها أكثر قدرة على التعبير عن موقفها. من أجل أداء مهمّتها الرسوليّة سوف تعتمد الكنيسة على القوّة الإلهيّة وليس على السلطة البشريّة. كما تستطيع الكنيسة إقامة العلاقات الدنيويّة... كما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقات، وهي بالتواصل مع المحرومين وهمومهم وصراعاتهم».
قرات الكتاب وأنا أعتقد اني سأقرأ الكتاب المؤسس للاهوت التحرير باعتباره حركة نضالية كاثوليكية ضد الحكم العسكري المستبد الفاسد في أمريكا اللاتينية، إلا أنى وجدت أن الكتاب أكبر من ذلك بكثير. أستطيع القول أنى تعرفت من هذا الكتاب على ما يمكن أن نطلق علية "الموجة الثانية للاصلاح الديني الكاثوليكي". فالكتاب يعطي أبعاد جديدة للفقر لا تقتصر على البعد المادي أو المالي أو الاقتصادي فقط، ولكن يمتد ليشمل الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والروحية، والتحرير ليس هو التحرر من العبودية على المستوى الفردي أو التحرر من الاستعمار على المستوى القومي فقط، ولكنه عملية تنمية شاملة تحرر الانسان من فقر المال وفقر الحرية وفقر الثقافة وفقر المساواة. كما أن الكتاب يعطي للكنيسة بعدا أخر أكثر انسانية وأكثر عقلانية، ليخرج بالكاثوليكية من ضيق الدوجما الدينية إلى سعة العقلانية الانسانية، فالكنيسة اصبحت كنيسة الفقراء وليست كنيسة السلطة، والمسيح لم يعد مخلصا لفئة دون فئة ولكن مخلصا لكل إنسان، والقصص الديني لم يعد يؤخذ بحرفيته للتدليل على انتصار أهل الدين على أهل الكفر، بل اصبح يحمل رموز تحريرية إنسانية. إذا كنت أو كنتي ممن استغربوا تصريحات البابا فرنسيس بابا الفاتيكان عن الملحدين الذين يدخلون الملكوت، والملحد الذي هو افضل من الكاثوليكي، وعن رمزية قصة أدم وحواء. قراءة الكتاب ستزيل هذا الاستغراب.