تقدم رواية "وداعًا أبو رمانة" للروائية السورية المرموقة رولا عبيد سرداً واقعياً وحميمياً لمرحلة انتقالية في حياة طفلة دمشقية نشأت في حي أبو رمانة خلال سبعينيات القرن الماضي. بلسان طفلة، تأخذنا الكاتبة في رحلة زمنية إلى دمشق في تلك الفترة، حيث نعيش معها تفاصيل الحياة المرتبط بأذهاننا عن ذلك الحي: بقالية نورا، زوزو، ساحة النجمة، وغيرها من المعالم التي تصبح شخصيات بحد ذاتها. الكاتبة تبرع في تصوير هذه التفاصيل بعيون طفلة، مما يجعل القارئ يستعيد ذكرياته الخاصة مع تلك الفترة.
الرواية تنسج خيوطاً عائليةً معقدةً، حيث نتعرف على العلاقات التقليدية بين الأم وخالاتها (اللي وجهن بيقطع الرزق من البيت)، والذكريات الدافئة التي يحملها الأب عن أمه الأفغانية. لكن الأحداث تأخذ منعطفاً مفاجئاً عندما تنتقل العائلة إلى برلين الغربية لعلاج الجدة، لتدخل الطفلة في صدام مع عالم جديد يفرض عليها النضوج المبكر. هنا، تبرز الكاتبة براعة في تصوير التحولات النفسية للطفلة، حيث تلتقي براءة الطفولة بصوت المرأة الناضجة، في سردٍ ممتع وشيق يعكس صراع الهوية والانتماء.
تأثير الحياة في المهجر لا يقتصر على الطفلة فقط، بل يمتد ليشمل الأم، التي تتغير شخصيتها بشكل جذري، مما يؤدي إلى اختلال العلاقة بين الوالدين. العودة إلى دمشق دون الأم، الذي صادف فترة حرب تشرين عام 1973، تضيف بعداً درامياً آخر للرواية، حيث تصبح حصة الرسم منبراً للتعبير عن الحرب: طائرات، دبابات، شهداء، وعلم سوري يرفرف في الخلفية.
الرواية لا تكتفي بسرد التحولات الخارجية، بل تغوص في أعماق الشخصيات، خاصةً مع طلاق الوالدين، وزواج الأب من امرأة أخرى، وإرسال الطفلة إلى مدرسة داخلية، مما يعمق شعورها بالوحدة والغربة.
بأسلوب سردي متمكن وتركيب شخصيات مدروس وناضج، تقدم رولا عبيد روايةً تجمع بين الحنين إلى الماضي ومرارة النضوج المبكر. "وداعًا أبو رمانة" ليست مجرد رواية عن طفولة، بل هي رحلة إنسانية عميقة تلامس قضايا الهوية، الانتماء، والتحولات الاجتماعية والسياسية التي شكلت حياة جيل بأكمله.