هذا الكتاب من تأليف المؤرخ الفرنسي والأنتروبولوجي جان بيير فرنان (1914-2007) Jean-Pierre Vernant ، ترجمه بجدارة د. جمال شحيّد الباحث في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (دمشق). حاول المؤلف من خلاله رسم الخطوط العريضة لتطورٍ في الفكر الإغريقي وَسَم انحسار الأسطورة ونشوء المعارف العقلية، وامتد بين النظام الملكي وبين المدينة الديموقراطية. في هذه الثورة الفكرية صارت كلمة muthos (المروية/الكلام) تتعارض مع كلمة logos (العقل/الذكاء)، وأدت إلى تراجع الاسطورة وإلى ظهور المعارف العقلانية في المجتمع الإغريقي.
لقد حصلت نقلة فريدة من الأسطورة إلى الفكر، من الميثوس إلى اللوغوس. فسعى المؤلف لتتبع الطريق الذي اتخذه العقل الإغريقي للخروج من الذهنية الدينية السائدة، وتحديد ما يدين به هذا العقل للأسطورة، وتبيان كيف تجاوزها. لقد "بدأ انحسار الأسطورة عندما أخضع الحكماء الأوائل النظام البشري للنقاش، وإلى تطبيق معيار العدد والمقايسة". وهكذا ظهر وتحدّد فكر سياسي بحت، فكر لا علاقة له بالدين، له مفرداته ومفاهمه ومبادئه. بدا لي، بعد قراءة التصدير وقبل الاسترسال في قراءة الكتاب، أن الكاتب يتجاهل أثر الممالك الشرقية والحضارات والثقافات السورية وجوارها في ما بين النهرين (من سومرية وأكادية وبابلية وكنعانية فينيقية وغيرها) ومساهماتها في تطور الرياضيات والفكر اليوناني. لكن بعد إتمامي القراءة بشكل كامل، لاحظت أن المؤلف اعترف - وإن بشكل خجول جداً - بتأثير الحضارات والثقافات والممالك الشرقية في الفكر اليوناني، وخاصة في مجال القياس (مكانياً وزمانياً) والذهنية الهندسية والفلك وغيرها.