إن معرفتي بالقوة التي تمسك الطائرة جاءت من ملاحظة متكررة بالظاهرة .. يختلف الاستقراء عن الاستنباط في أن الأخير نتائجه مرهونة بصدق مقدماته .. ويختلف الأمر في الاستقراء فصدق المقدمات لا يعني صدق النتائج .. كل ما نحصل عليه في الاستقراء هو نسبة احتمالية لا أكثر لصدق النتيجة .. قد يقول بعضهم أن تلك النسبة -الاحتمال- كافية لأن تولد اطمئنانا وهذه بدوره كافي .. وهذه محاولة للالتفاف لا يمكن قبولها .. فالعملية الاستقرائية لا تعدو تصرفا بشريا ..
وبحسب تفكيري فطبيعة الشيء المستقرأ مؤثرة بشكل واضح في نتيجة الاستقراء .. كطبيعة استقراء فصل الرأس عن الجسد والموت وطبيعة استقراء نتيجة واحدة لوجه محدد في النرد .. ففي الأولى النتيجة أكثر انكشافا من الثانية ..
وهذه النتائج شخصية خاصة بي حيث إن التعميم بالقول أن نتيجة استقرائي الذاتي للظاهرة هي نفسها نتيجة استقراء غيري لها .. لهو محض فرض بحاجة هو نفسه إلى استقراء اخر وهذا متعذر .. (استقراء الاستقراء) ..
القانون الفيزيائي المستنبط من ظاهرة ما متكررة ونهائية لا يعطينا تأسيسا قاطعا بالصدق بسبب امكانية تخلف ظاهرة ما مستقبلية .. فالآف الحالات الصادقة المؤيدة للقانون تزول بحالة واحدة كاذبة .. إن الأمر يعود إلى منطق اللامنطق .. فالصدق في القضية السابقة تولد من عدم الكذب ..
وتختلف مسألة الطائرة الورقية عن تعاطي فكري مع الأخبار المنقولة .. فخبر واحد كاذب لا يهدم الاف الأخبار الصادقة .. فما الفرق بين الخبر المعاكس لآلاف الأخبار وبين الاختبار المعاكس لآلاف الاختبارات ؟ وهنا سؤال .. لماذا اعتبرت الأخبار الكثيرة صادقة والخبر المعاكس كاذب .. لا أمتلك دليلا على صدقها ولكن ما امتلكه أنها متعاضدة ومتوافقة مع بعضها .. وربما تولد الصدق من هذا ..
أما في حال نتيجة الاختبار المعاكس .. فسنرى أنفسنا نشكك في هذه الحالة المختلفة وبأن فيها خطأ ما .. وهنا سؤال اخر .. لماذا أمعنا النظر في هذه الحال المخالفة ولم نتجاوزها كما في حال الأخبار .. لماذا لم نصدق بهذه الحالة لمجرد أنها خالفت الحالات الألف ؟ وهذا الأمر سنجده لا يحصل لو كانت الحالات ليست ألف .. فإذا افترضنا أنهما حالتان أ وب فقط .. سنكتشف أنهما حالتين طبيعيتان ولا نتفحص الخطأ في الثانية .. ومن هنا نقول .. أن كثرة التجارب وتكرارها لهت تأثير في صناعة الصدق .. ولولا التكرار لما رجحنا الحالات المتكثرة على الحالة المنفردة..
وهنا أسأل كيف استطعت أن أوسع تأثير التكرار من حالة استقرائية واحدة إلى حالات استقرائية لأجعله يشمل كل الحالات .. وهنا مشكلة أخرى كيف عرفنا أن التكرار هو ما يصنع الصدق فينا .. حيث أن هذه مسألة بحاجة إلى استقراء بدورها .. والواضح أننا لم نجر استقراء لكل الحالات حتى نعرف أن التكرار يتحقق فيها كلها ..
نجد بعض المفكرين يجعلون تأثيرية التكرار هي انكشاف نسبة الاحتمال .. فيؤدي التكرار إلى زيادة احتمالية شيء دون اخر .. ولا أرى أن دراسة الاحتمال الرياضي تفسيرا علميا شافيا .. بقدر ما هو إعادة صياغة للمشكلة التكرارية .. وجاءت الإجابات قديما وحديثا بعدة اقتراحات .. ذاتية المعرفة .. مذهب القبليات العقلية .. المذهب التجريبي .. المذهب الرياضي ..
وهنا نسأل سؤال .. اذا كان الاستقراء يمثل معرفة واتجاه معرفة .. فكيف يمكن لهذه المذاهب أن تفسره ؟ .. ألا يتضمن هذا امكاني التفسير بهذه المذاهب والذي يتضمن سؤالا اخر .. وهو سعة المذاهب أو ضيقها نسبة للمعرفة الاستقرائية ؟ واذا كانت هذه المذاهب مفسرة للاستقراء فهذا يعني أنها استقلت بمعرفتها عنه وأنها أوسع في مجالها المعرفي من الاستقراء نفسه أو أنها تساويه في ذلك المجال المعرفي .. ونستبعد أنها أضيق منه لأنها ستكون عاجزة .. عن تفسير الأوسع منها (الاستقراء) .. والاعتماد على التراكم الاحتمالي الذي صار طريقا لتفسير التكرار يتضمن في داخله عملية تكرارية .. فهذا السير يجعل التراكم الاحتمالي متكئا على التكرار لأنه متضمن فيه .. ثم يستعمل نفس ذلك التراكم الاحتمالي كطريق لتفسير نفس التكرار .. كان يمكن أسير في سؤالي من يمسك بالطائرة .. من خلال القنوات العلمية الهندسية وحساب القوى وديناميكية الهواء .. لكنني وقفت عاجزا مقيد الخطى .. لأن هذه القنوات الفكرية كلها غضت النظر عن أمهات المشاكل المعرفية وتقدمت نحو النتائج التجريبية .. إن المفكر الأمين لا يخدعه كبرياء وتعالي الفيزيائي بأطنان القوانين التي يمتلكها ولا الشموخ والنظرة العاجية لرجل الدين اتجاه العقول المفكرة ..
أما الجواب عن السؤال .. فهو غير متوفر حتى الآن بحسب تفكيري ..