تحلق بنا “الطيور” انطلاقًا من مدريد نحو نواكشوط، ومنها إلى “النبع”، لتحط الرحال بعد ذلك في الكويت والدوحة، ولتعبر فلسطين والعراق، ولتقف طويلًا في عمق أفريقيا جنوب الصحراء حيث تستنطق عالم قبائل النمادي، وخلوات مالي القصية، ومعتزلات غينيا، ولتحفر عميقًا في قلب جنوب الصحراء الموريتانية البكر، وتستكشف هموم الترحال بحثًا عن الكلأ، وترصد النزوات ذات البعد الصوفي لعالم وتخوم نهر السينغال، ذلك العالم المؤثث بشخصيات مميزة نادرة، والمليء بالكلام المرصع بالشعر والموسيقى، ثم تنعطف مجددًا نحو نواكشوط الحديثة، المزدوجة الهوية، المتعددة الأنساب والاثنيات والانتماءات والألوان.
“طيور النبع” هي سجل مفتوح لمغامرة الروح في عالم تمثل فيه الصحراء قلب العالم، وعبره يقدم لنا الروائي تفاصيل عالم فريد من نوعه، عالم كتبت تفاصيله بلغة شعرية مكثفة صافية.
لعل الميزتين الأساسيتين للرواية هي أنها رواية موريتانية وذلك يحتسب لكون فن الرواية عموماً شبه منعدم في هذه البلاد، وثاني الميزات هو اللغة القوية التي يملك الكاتب، وبخلاف ذلك فالرواية تبدو ضعيفة الحبكة كما أن الفصول غير مترابطة بشكل قوي، ولولا الفصلان الأخيران لقلت أنه بامكانك قراءة الرواية من أي فصل تريد. من ناحية الموضوع فهو موضوع أقرب لرواية منينة بلانشيه حيث ركز الكاتب في البداية على علاقة الاضطراب التي حدثت للانسان الموريتاني بعد خروج الاستعمار ومحاولة الخروج من الصدمة التي تحدث له فور أن يخرج عن موريتانيا. وبالرغم من قصر الرواية إلا أن هناك حشواً رهيباً في بعض الفصول، في مقابل عجز آخر عن إضافة بعض التفاصيل وخصوصاً لبعض شخصيات الرواية، فكلما بدأ الكاتب بالدخول إلى أعماق شخصية أحد الأبطال إذا به يخرج بشكل مفاجئ وكأنه لا يودّ لأحد أن يعرف ما بداخل هذا الانسان، بل نبقى أسيرين لرؤية الراوي للشخصية. تبقى الرواية مهمة وإضافة للرواية الموريتانية الوليدة