النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي، الداعي الإسماعيلي، ويقال له القاضي النعمان، واشتهر بأبي حنيفة كي يضاهي به الفاطميون أبا حنيفة النعمان فقيه الدولة العباسية.
ويعدّ القاضي النعمان من أركان الدعوة الفاطمية بمصر، كان عالماً بالفقه والقرآن والأدب والتاريخ. هو من أهل القيروان بتونس مولداً ومنشأً، كان فقيهاً بالمذهب المالكي ثم تحوّل إلى المذهب الإسماعيلي سنة 333هـ، وأخذ يؤلف الكتب في فقه المذهب الإسماعيلي، ويعدّ أهمّ واضعي هذا المذهب.
يوضح القاضي النعمان أن أهل القبلة تفرفوا في الفتيا في الفروع وبعض الأصول وفي التأويل وذهبوا في ذلك مذاهب وتفرقوا فرقا وأحزابا قول الله عز وجل: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) وقوله ( أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ)
الكتاب فيه ١٣ قسم ١- ذكر علة الاختلاف ٢- ذكر جملة قول المختلفين ٣- ذكر الرد على المختلفين ٤-ذكر مذهب أهل الحق ٥- ذكر أصحاب التقليد والرد عليهم ٦- ذكر الفرق بين التقليد وإتباع اولي الامر ٧- ذكر أصحاب الإجماع والرد عليهم ٨- ذكر اختلاف وجوه الإجماع ٩- ذكر أصحاب النظر ١٠- ذكر أصحاب القياس ١١- ذكر القائلين بالاستحسان ١٢- ذكر القائلين بالاستدلال ١٣- ذكر القائلين بالاجتهاد
فبعد وفاة رسول الله تفرقت الناس وكل أتى بمذهب يناسب شهواته فمنهم أخذ بالإجتهاد ومنهم بالقياس ومنهم بالنظر والإستحسان والإجماع ومنهم بالتقليد يحللون ويحرمون من دون دليل ولا تشريع من الله ورسوله يقول الله عز وجل (وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) وأيضا (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) فأتبعوا ظنهم وأهواءهم بعد ما أن أتاهم الهدى من ربهم ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) فأتبع هولاء أهواؤهم وأخذوا أحكاما من قبل أنفسهم وخالفوا الله ورسوله, قولهم أن الأحكام التي يستنبطونها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله فإن هذا قول كذب وفساد وأن من يعتقد بهذه الحجة إنما يكذب القرآن في قوله تعالى (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) وقوله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ) فهذا دليل بأن الله عز وجل بين كل شيء في كتابه ولم يفرط فيه من شيء وأن كلمة البيان لاتقع إلا على ما كان واضحا ومكشوفا وبينا معروفا من دون لا قياس ولا استحسان وغيره من المسميات البدعية وقوله ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون), ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ), (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ) فدين الله كامل ولم يجز لأحد بأن يحكم بحلال أو حرام بقياسهم وآرائهم وإجتهادهم وإستحسانهم ونظرهم كما زعموا وهذا يخالف قوله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه) ولم يقل بما قست أو أجتهدت ولآخره وقوله ( ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ), (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴿1﴾ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴿2﴾ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿4﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ) وسئل رسول عن العديد من الأشياء لم يكن الله أنزل عليه فيها شيئا فتوقف عن الجواب ولم يقل برأيه ولم يقس ويجتهد كما فعلوا أصحاب الهوى حتى أنزل الله الجواب فلو جاز لأي شخص بما اتخذوه لكان الرسول أحق منهم بفعلهم مثل قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) والله أكمل دينه فكيف يزعمون أن النبي لم يأتي بكل ما أحتاجه الناس وأن كتابه فرط فيه حتى أتموه تعالى الله عما يقولون.
أستدلوا أهل الهوى بإستنباطهم الأحكام على قوله (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) فعني الله أولي الأمر على رسوله وأهل بيت رسول الله الذي قرن الله طاعتهم بطاعته وقول رسول الله, عن أبو ذر الغفاري، أحدثكم بما سمعته من رسول الله (صلع) سمعته يقول حين احتضر: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض كهاتين، وجمع بين أصبعيه المسبحتين من يديه وقرنهما وساوى بينهما، وقال: ولا أقول كهاتين، وقرن بين أصبعيه الوسطى والمسبحة من يده اليمنى، لان إحداهما تسبق الأخرى، ألا وإن مثلهما فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تركها غرق.
وأيضا عن رسول الله (صلع) أنه قال: أمرت بطاعة الله ربى وأمر الأئمة من أهل بيتي بطاعة الله وطاعتي، وأمر الناس جميعا دونهم بطاعة الله وطاعتي وطاعة الأئمة من أهل بيتي، فمن تبعهم نجا ومن تركهم هلك، ولا يتركهم إلا مارق. فالمقصودون هم الأئمة من أهل البيت.
فتراهم يعارضون بعضهم ويغلطون بعضهم بأحكام الله ويحللون ويحرمون على هواهم فمثلا تراهم يقيسون حكم فرع من أصل بوجوه متشابهة ويقيمون العلة للحكم أفلا يرون أن أول من قاس إبليس وكيف يقيسون والله حكم في أشياء متفقات بأحكام مختلفات والعكس ونروي قصة أبو عبدالله مع أبي حنيفة حيث سال أبو عبدالله أبي حنيفة بما تفتي فقال بالقياس قال أبو عبدالله: ويحك يا نعمان أوّل من قاس إبليس حين أمره بالسجود لآدم عليه السلام وقال: ( خَلقتَني من نار وخَلَقتهُ من طين ) فقاس بين النار والطين فرأى أن النار أشرف، ثم قال أبو عبدالله أيّما أكبر يا نعمان القتل أو الزنا ؟ قال: القتل قال أبو عبدالله: فلِمَ جعل الله في القتل شاهدين ، وفي الزنا أربعة ؟ قال أبو عبدالله: فأيّما أقرب للطهارة البول أو الجنابة ؟ قال: الجنابة قال أبو عبدالله : فلِمَ أمر الله في البول بالوضوء، وفي الجنابة بالغسل ؟ قال أبو عبدالله : فأيّما أكبر الصلاة أو الصيام ؟ قال: الصلاة قال عليه السلام : فلِمَ وجب على الحائض أن تقضي الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟ قال أبو عبدالله: فأيّما أضعف المرأة أم الرجل ؟ قال: المرأة قال أبو عبدالله: فلِمَ جعل الله تعالى في الميراث للرجل سهمين ، وللمرأة سهماً؟ قال أبو عبدالله : فلِمَ حكم الله تعالى فيمن سرق عشرة دراهم بالقطع ، وإذا قطع رجلٌ يد رجل فعليه ديتها خمسة آلاف درهم ؟ أينقاس لك هذا ؟ قال: لا فتحير ولم يحر جوابا فقال أبو عبدالله اتق الله يانعمان ولا تقل لما يصف لسانك (الكذب هذا حلال وهذا حرام) ونأخذ بالتقليد عبرة إذ أن الشافعي أخذ من مالك الكثير بالمدينة وعندما ذهب للبصرة رجع عن الكثير مما كان قال به إلى خلافه وعندما ذهب مصر رجع عن الكثير مما قاله بالعراق والحجاز وكان ينهى عن التقليد وهو مقلد وطلابه أخذوا بتقليده حتى وشيخهم ينهى عنه
والكلام يطول ومن يريد الاستزادة سواء بالقياس أو الإجماع أو باقي البدع فليقرأ الكتاب.
فأخيرا لم يفرط الله في شيء ولم ينزل ويدل على ما أتوا به من إستنباط بالأحكام كما أدعوا بزعمهم ماليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولم يأتي به الأنبياء والملائكة الذين هم أعلى منزلة فكيف بإنسان يغلبه الهوى والضلالة بأن يأتي بأحكام من عنده جرأة على الله وإستخفافا بدينه كما قال تعالى (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)