إذا كنت طالب علم، تحديداً "العلم الشرعي" أعتقد تحتاج الاطلاع على هذا الكتاب لما فيه من نصائح عظيمة واستقراءات نافعة، ثمينة .. ستنفعك بإذن الله. المصادفة أني قرأت هذا الكتاب ثم انتظمت في دروس العلم الشرعي التأصيلي والذي لم يكن على بالي القرار أبداً أثناء البداية من قراءة الكتاب، ولكن تدابير الله وفضله الدائم شاءت أن أقرأه ثم أبدأ بحماس لتعلم الأصول الشرعية.
"إن هذه المدة على الإنسان فيها حقوق كبيرة لأمته، ومن هنا فإنما يستغلها بداية بمعرفته لمهمته ثم بمعرفته ثانيا لحقوق أمته ثم بعلو همته ثالثا عن السفساف حتى لا يكون كالحيوان البهيمي، إن الإنسان إذا شعر بأن عليه حقوقا عظيمة لله وأن عليه حقوقا قد رتبها الله عليه لأمته وأن الطاقة التي معه ليست ملكا له، وأن عليه أن يسعى لإعلاء كلمة الله في هذه الأرض وأن يبذل الجهد في ذلك، وهو يعلم أن جهده سيزايله ويفارقه، فلا بد أن تعلو همته وأن يستغل الوقت ويبادر، ولهذا قال علال بن عبد الله الفاسي رحمه الله: أبعدَ بلوغي خمس عشرةَ ألعبُ وألهو بلذاتِ الحياة وأطربُ
ولي نظرٌ عالٍ ونفس أبية مقاما على هام المجرة تطلب
وعندي آمالٌ أريد بلوغها تضيع إذا لاعبت دهري وتذهب
ولي أمة منكودة الحظِّ لم تجد سبيلا إلى العيش الذي تتطلّبُ
على أمرِها أنفقتُ دهري تحسّرا فما طابَ لي طعمٌ ولا لذّ مشربُ
ولا راقَ لي نومٌ وإن نمت ساعة فإني على جمرِ الغضا أتقلبُ
واعلم أن الأمل أطول من الأجل، فأمل الإنسان طويل يخطط على كثير من المشاريع ويظن أنه سينجزها ولا يزال مستمرا في الأمل حتى يقطع ذلك الأجل، فيأتي الموت فيحول دون بقية المشاريع، وقد قال أحد الحكماء قديما:
ذهب الزمان فلا زمان جمانا وكأنما قد كان لم يك كانا
يا من لشيخ قد تطاول عهده أفنى ثلاث عمائم ألوانا
سوداء حالكة وسحق مفوف وأجد ثوبا بعد ذاك هجانا
والموت يأتي بعد ذلك كله وكأنما يعنى بذاك سوانا" *منقول
من الإسهامات الطيبة في معارج الطلب وتصحيح مسارات التعلم والإرشاد نحو منهجية في طرق التحصيل والتدرج. تعرض البحث لجملة من الفثول والمسائل الاولوية لطالب العلم بداية من مدارج واركان التعلم وعوائقه وطرق اكتساب العلم ومهاراته بأساليب متنوعة في ابواب شتى. والكتاب بشكل كبير مركز على إشكالية الاكتفاء بمرحلة التأصيل دون استكمال مراحل التكوين. معالجة جذرية لبعض إشكاليات الطلب مرورا بالمراحل الثلاثة =التأصيل والتكوين والبحث العلمي.
مثل هذه الكتب لا تقرأ مرة، وإنما تعاد مرارا. في الكتاب نصائح جليلة لطلاب العلم. يصحح الكتاب مسار طالب العلم ويرشده إلى المنهج السديد في طريقه إلى طلب العلم الشرعي. يهتم الكتاب بالمراحل الثلاث التي يحتاج إليها طالب العلم: التأصيل العلمي واستكمال التكوين ثم البحث العلمي. مشكلة الكتاب أنه يوجد فيه كلام تنظيري كثير قد يمل القارئ. وكذلك في آخر الكتاب منهج لطالب العلم لا يمكن الاكتفاء به في طلب العلم، لقلة ما فيه من الكتب. وأظن أن الكاتب بدأ كتابه بهمة ثم عندما وصل إلى آخر الكتاب ضعفت همته، والله أعلم. وكتابه الآخر "الغرور العلمي" وإن كان في موضوع أخص إلا أنه أجود منه من حيث عرض الموضوع والترتيب. ومع ذلك كله، أنصح طلبة العلم بقراءة هذا الكتاب، ففيه جواهر متناثرة لا توجد في كتب أخرى.
رحلة شيّقة تضعُ نقاط النور حول ما يريده طالب العلم لتشييد بناءه العلمي.. تميّز الكتاب بلغته العالية البليغة التي تُمتع قارئها وهو يقلب ويطالع صفحات هذا السفر الأنيق، كما برع في توظيف الاقتباسات الذكية الموافقة للفكرة التي يتكلم عنها. حوى ثلاث عشرة قسماً: الأول، هو: حقائق العلم: برعايته ورعاية الحس التعبدي، والأخلاقي.
ثم انتقل إلى لب موضوعه وهو (التدرج) في فصول أربعة هي: مدارج التعلم، والتدرج التحصيلي، وأصالة مادة العلم وجادته، وأركان التعلم.
ثم لفت النظر إلى بصمة تلقي العلم عن شيخٍ في لوحة الطالب العلميّة، وأن العلم لا تكمل صورته دون حليةٍ من معلمٍ يقلدها طلاّبه، وروحٌ منه ينفثها تسري في جنباتهم، في فصولٍ متتالية: •بصمات المعلمين ونقش العقول •فن الشرح وإيصال العلوم •الملكة العِلمية (وطرق تحصيلها بين العالِم والكتب ومراجعة العلم). •أستاذية الكتب مالها وماعليها.
وفي العوائق: ذكر مثلاً: التنمر بالألقاب، والموضة العلمية، وحرق المراحل، والغرور، والمقارنة.
ثم المهارات الذهنية: وتكلم عن صياغة الذهنية العلمية قبل المهارات، كالتقصي والاستشكاف، والتفكر والسبر والتقسيم، والضبط والتقعيد..
وفي قسم قصور النظر العملي وإشكالاته، استعرض بعض المسائل؛ كالنظر الجزئي للعلم الشرعي، وعدم تحرير المسائل. تلاه قسم الإشكالات الذهنية، وهو فصلٌ زاهٍ عميق، وآخر الفصول هو: المتعلِّم وآلة الواقع؛ كتعامله مع الإنترنت ومواقع التواصل.
وختم الكتاب بـ مخطط تأصيلي لطلب العلم. أنصح بقراءة الكتاب وهو من النوع الذي يمسكه القارئ ولا يكاد يفلته، مع الخروج بحصيلة لغوي منهجية تدفع همته للإمام.
الكتاب تنظيري، لم أحس أنه أضاف لي شيئا جديدا مبهرا ولم أره قدم متعة أيضا، قد يكون الوقت الذي قرأته فيه متأخرا قليلا في مرحلتي هذه ففقدت الشغف للقراءة عن العلم مثل السابق، الآن أريد قراءة العلم نفسه وليس القراءة عنه، يحسب للكتاب أنه وجبه خفيفة ولطيفة "ولا ينشال همه"، أعتقد أنه سيكون كتاب جميل ولطيف للطلاب الذين سيبدؤون في دراسة العلم الشرعي. من ملاحظاتي أن عدد الصفحات كثير والمحتوى قليل وتم حشو صفحات فارغة كفواصل وهي كثيرة للغاية وتسبب هدرا للبيئة ولا داعي منها إذ توحي للقارئ أنه سيقرأ معلومات كثيرة ثم يفاجأ بالأوراق الفارغة المزخرفة! أرى أن يقلل عددها.
شامل و سلس في عرض الموضوعات ويغنيك عن غيره من الكتب في أدب الطلب و طرقه غير أن المنهج العلمي الذي وضعه في أخر الكتاب متواضع جداً ولا يخرّج طلاب علم متأصلين