Jump to ratings and reviews
Rate this book

المدينة العربية الإسلامية: أثر التشريع في تكوين البيئة العمرانية

Rate this book

296 pages, Hardcover

First published January 1, 1994

1 person is currently reading
32 people want to read

About the author

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (33%)
4 stars
2 (66%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 3 of 3 reviews
Profile Image for Abdulaziz.
78 reviews4 followers
February 5, 2026
إكمالا لمشروعي الحالي بين القانون والمكان العام، فإن هذا الكتاب الثاني بعد كتاب المدينة الاسلامية لمحمد عبدالستار، كان في القائمة من سنتين تقريبا

لغة الكتاب جميلة، ومفيدة للقارئ غير المتخصص ويخرج منه بأفكار وملاحظات ذكية. خاصة أن الإطار النظري للكتاب واضح وجميل، ولو كان نتاج طلال أسد حاضرا في ذهن الذهلول في ذلك الوقت أحسب نه سيخرج بإطار نظري أقوى.
امتاز كتابه عن كتاب المدينة الاسلامية بعدة نواحي، أهمها كما ذكرت الاطار النظري، ثم التحليل والاضافة النوعية التي جاد بها عقل المؤلف، وليس جمع وترتيب مجرد.
والأهم من ذلك بنظري هو ملاحظاته المعمارية الممتازة بمدينة الرياض، وخاصة عمارة زهرة الرياض التي فعلا أحدثت نقلة العمارة السعودية. أذكر أني عندما رأيت هذه المعلومة طربت لها جدا!
هناك ملاحظات فنية يمر عينه عليها غير المختص، ولكن بانتباه، إذ ربما ملاحظة والتقاطة تحليلة قد تفر من ك وأنت لا تعلم.
وكم تمنيت أني يستمر قلم الأستاذ ومستمرا، إلا الواقع يشهد أن العمل يأكل الباحثين ، ربنا يعصمنا من ذلك ! (:
أوصي به ، واستمتعت به
Profile Image for عزام الشثري.
624 reviews765 followers
January 24, 2026
رسالة دكتوراه في العمارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا 1981، بعد 3 سنوات ناقش جميل أكبر رسالته لنفس المجال والمعهد، أما المؤلف د.صالح فقد بدأ اهتمامه بالموضوع من مقال فرنسي بعنوان "التحضر في العصور الوسطى والتشريع الإسلامي"المستند على مخطوطتين رئيسيتين: الإعلام بأحكام البنيان لابن الرامي، وكتاب الجدار لعلي بن موسى، رحمهما الله، وأضاف الباحث سجلات محكمة المدينة التي تبدأ عام 963
.
افتتح المؤلف كتابه بمراجعة أطروحة كارل بابر حول "التقاليد"، قد يكون لبابر اسم مهم في سياق المنهجية العلمية، إلا أن دراسة المدينة العربية الإسلامية ربما احتاج منظورا نظريًا آخر
.
البيئة العمرانية الحالية في المدينة العربية الإسلامية تختلف جملة وتفصيلاً عن البيئة العمرانية التقليدية الأمر الذي أدى إلى فقدان الإحساس بالاستمرارية وإيجاد شعور بالعزلة وعدم الترابط لدى سكان المدينة. هدف الدراسة فهم كيف حدث هذا وكيف نستطيع إعادة الشعور بالاستمرارية
.
الأنظمة العمرانية تفرض قوالب جاهزة لعرض الشوارع والارتدادات والفتحات، فتنتج أشكالًا عمرانية مسبقة لا تعبّر عن حاجات السكان، السماح النظامي بالفتحات يصطدم بمتطلبات الخصوصية، فيدفع السكان لاستخدام حلول مصطنعة أو اللجوء للقضاء لردّ ضررهم. ينشأ صراع اجتماعي لأن التكوين العمراني المُملى لا ينسجم مع الثقافة المحلية وسلوكيات الخصوصية. تتناقض المؤسسات، جهاز تنظيمي يطبق لوائح جامدة ومحاكم تستند إلى الشريعة
.
قارن جرونا باوم بين المدينة الإغريقية-الرومانية والمدينة الإسلامية انطلاقًا من النموذج الإغريقي معيارًا للحكم، فاعتبر الأخيرة ضعيفة التنظيم وعديمة المؤسسات المدنية، ورأى أن المخطط الإغريقي المنضبط تراجع بعد الفتح الإسلامي للمدن الرومانية، فاختفت مؤسساتها وحلّ الاضطراب مكان القانون والنظام، مما أدى إلى تحول جذري في شكل المدينة
.
معتقدات ومفاهيم السكان في المدن العربية الإسلامية مقترن بظاهرة اختفاء العربة كوسيلة للنقل، بالإضافة للعوامل المناخية والحاجة إلى الحماية من الشمس التي يبدو أنها لم تأخذ في الاعتبار في مخططات المدن الإغريقية. كل هذه العوامل لعبت دورًا رئيسيًا في تطور المدن بالطريقة الإسلامية
.
اعتمدت "الخطة" كوحدة للتخطيط، والخطة ليست اسم الوثيقة التي توضع فيها التصورات النهائية، بل هو اسم لمشروع حضري محدد يشبه المجمع السكني الذي يجمع قبيلةً ما أو نحوها
.
أجمع الفقهاء على تحمل الضرر القديم، لكنهم فرّقوا عند الإحداث أو التوسعة. يذكر ابن الرامي واقعة في تونس: صاحب كوشة لها بيت نار واحد أراد إضافة بيت نار جديد يخرج دخانه من المدخنة نفسها، فاعترض الجيران لأن الدخان المحدث ضرر جديد، فحكم القاضي ابن القطان بإغلاق بيت النار المحدث
.
رفع ابن وهب إلى رسول الله ﷺ أنه قال إذا اختلف الناس في الطريق بينهم فحدها سبعة أذرع، وقال ابن كنانة يترك للناس من سعة الأزقة والطرق ما يمر فيه أوسع وأعظم شيء يمر في أزقتهم فلا يضر بذلك مثل البعير بأعظم ما يكون من المحامل، وكان لمالك نفس الرأي حينما سئل عن جماعة اختلفوا في تقرير عرض الطريق بينهم، فأجاب بأن عليهم أن يتركوا طريقاً كافيا للأحمال والناس
.
البروزات والرواشين العلوية من الخصائص المعمارية للمدن العربية الإسلامية من فجر الإسلام ولم يعترض عليها فقهاء المسلمين إذا لم تضر بالجيران أو تعرقل الحركة في الشارع، وسماها ابن الرامي (الأجنحة) وهي خوارج تُعمل على الحيطان في الشوارع ونقل عدم المنع منها عن مالك وابن القاسم
.
أعلى معلم في المدينة: المئذنة، رغم وظيفتها الدينية وورع المؤذن، فقد اعتُبرت الإطلالة على المنازل المجاورة ضررًا محظورًا شرعًا. وسئل سحنون عن مؤذن يكشف بطون المنازل، فأفتى بعدم جواز الصعود حفاظًا على حرمة الناس. وكذلك فعل الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك عندما رأى المؤذن من نافذة دار جوار المسجد النبوي فأمر بمساواة المئذنة لسقف المسجد

الحفاظ على حرمة البيوت واجب المحتسب، ويشمل مراقبة المؤذنين ومنع النظر لدور الناس، ويورد السقطي واقعة طريفة حيث اشترط محتسب في الكوفة على المؤذن الصعود معصوب العينين لتجنب رؤية الدور المجاورة، وإذا بنى مسجد سطحًا يطل على جيران كما حدث في حالة سحنون، يُجبر الباني على سترها قبل السماح بالصلاة

سئل ابن القاسم عن فتح كوة أو باب في حائط يضر الجار، فقال عن مالك: يمنع ذلك لأنه إحداث جديد، أما نافذة قديمة موجودة قبل بناء الجار فلا يُجبر صاحبها على إغلاقها، لأن الضرر سابق المتضرر. وفي الأراضي الفضاء إذا بنى رجل غرفة لها نافذة على أرض جاره، اختلف المالكية، يرى ابن الماجشون أن ليس للجار منعه لضرر ذلك به إذا بنى، ولا يعود إليه منعه بعد بنائه إذا كان يوم بني لا يطل على أحد ولا يدخل عليه من ضرر، وهي منفعة حازها الأول

لا يجيز المالكية فتح باب دار قبالة باب دار أخرى أو قريباً منه، يقول ابن القاسم: ليس لرجل أن يحدث بابا حذاء باب دار جاره أو قرب ذلك إذا كانت السكة غير نافذة، لأن جاره يقول قد كان هذا الموضع من السكة حيال بابي لي فيه مرفق، افتح بابي وأنا في سترة وأقرب حمولتي إلى باب داري فلا أوذي أحدا، ولا أتركك تفتح حيال باب داري باباً أو قرب ذلك فتتخذ علي فيها المجالس وما أشبه هذا، فإن كان هذا ضرراً فلا يجوز أن يحدث على جاره ما يضره

يقول أشهب بأن مالكًا حينما سئل عن طريق سابلة مشتركة بين جميع الناس، فأراد رجل أن يفتح بابًا يقابل باب رجل آخر أو متنحياً عنه، أجاب: إن كان يضر به في مثل أن يكون الداخل والخارج يعاين ما خلف الباب فيمنع من فتحه، ويرى سحنون بأنه يمنع من ذلك، وينكب عنه، وحينما سئل ما حد التنكيب أيكون ذراعاً أم ذراعين؟ قال: بقدر ما يرى أن الضرر زال عن الدار التي تقابله

وباستقصاء ومسح حارة الأغوات ـ أقدم أحياء المدينة ـ عام ١٣٩٦هـ، تبين أن من بين أكثر من مائتي بيت في هذا الحي لم يظهر سوى بابين متقابلين فقط، مع أنه يوجد في الحي أحد الطرق الرئيسية الممتدة من المسجد النبوي الشريف إلى إحدى بوابات المدينة الأربع القديمة
.
يجب ألّا ننظر لمناقشات الفقهاء وفرضياتهم الكثيرة على أنها شيء بعيد عن عالم الواقع، فكما تشهد به الوقائع التي أوردناها يتضح أن معظم هذه الفرضيات تمثل حالات تحدث يومياً في المدينة الإسلامية، كما نجد أن آراء الفقهاء التي يبدونها حول هذه الحالات الفرضية يماثل أحكام القضاة في الحالات الواقعية التي يقضون فيها، ويتماشى مع مفاهيم وقيم السكان في هذه المدن
.
يراقب المحتسب الشأن العام كنظافة الشوارع وإصلاح شرب المدينة، وبناء ما تهدم من أسوار، وسد حاجة بني السبيل، يعالج في الشأن الفردي المماطلة في أداء الحقوق أو التأخر في أداء دين ثابت مع الاقتدار، في الأولى يتصرف بمبادرة منه في حين لا يتصرف في الثانية إلا عندما ترفع له الشكوى

ينصب اهتمام المحتسب في الأمور التي تخص عمران المدينة واستمرار بقائها، فعليه أن يضمن التزام الأسواق وكافة مرافق البلدة بالتمشي وفقاً للشريعة، وحتى في نوعية وجودة مواد البناء الإنشائية وصيانة المرافق والطرق العامة، وكلها تبين أن المحتسب كان يقوم بدور لا يقل عما يقوم به منسوبو البلدية اليوم، وقد كان مع القاضي يمثلان حقيقة المسؤولين الوحيدين عن الأمور البلدية في المدينة العربية الإسلامية

يقرر الماوردي أن الحِسبة تشترك مع القضاء في سماع الشكاوى وحقوق الآدميين، بشرطين: تعلّقها بمنكر ظاهر أو معروف بيّن، وتقصر عن القضاء في أمرين: عدم نظرها في الدعاوى غير الظاهرة، واقتصارها على الحقوق المعترف بها، وتزيد عليه في أمرين: للمحتسب المبادرة بالأمر والنهي دون وجود خصم، وله استعمال الشدة والهيبة في إزالة المنكرات، بخلاف القاضي المقيّد بحضور الخصم وبالوقار والمناصفة
.
كان تركيز قواعد السلوك في المدينة العربية الإسلامية موجها نحو السلوك الاجتماعي بجلا من فرض تنظيمات عمرانية محددة، فالمبادئ التي تحكم مسألة الخصوصية تكمن في منع الإشراف والتطفل ذاته على خصوصية الجوار وليس في منع الفتحات في الحائط، وعندما أمر القاضي في واقعة المدينة بسد فتحات النوافذ كان اهتمامه منصباً على إزالة الضرر عن الجار، إذ لم يعارض فتح نوافذ في مكان أعلى في الحائط ليحصل منه على حقه من الضوء والهواء دون ضرر
.
نشأت وتأصلت في المدن السعودية تقاليد عريقة وأساليب متميزة في البناء والتخطيط، إلا أنها جابهت في السنوات القليلة الماضية تحديات من أساليب مغايرة أدت لاستحداث وتشكيل بيئة عمرانية جديدة تختلف كل الاختلاف، فظهرت وتوطدت بشكل متنافر مع البيئة التقليدية، التي كانت نتاجاً لعملية التأثيرات المتبادلة بين التركيب الاجتماعي/الديني وبين البيئة العمرانية للمدينة ثم أبدلت بعملية أخرى تستند على أسال��ب وتكوينات محددة
.
نشأت البيئة العمرانية المعاصرة في مدن السعودية عبر النظام الشبكي للشوارع والفيلات كمساكن، مع شرح أسباب إدخالهما وانتشارهما، بتتبع نشأة نمطها وطابعها، ثم ظهور النظم العمرانية التي شكلت هويتها، ثم التحول عن البيئة التقليدية، وفهم المشاكل والتناقضات الحضارية وبالذات مضامينها العمرانية والاجتماعية
.
التوسع الأولي للدمام والخبر 1940م لم يكن مخططًا، بنى الأهالي مساكنهم بمواد محلية ووضع اليد على الأراضي المتوافرة، فظهرت شوارع ضيقة غير مستقيمة، ونمط المدينة العربية الإسلامية، ومع زيادة البناء طلبت الدولة 1947م من أرامكو إعداد مخطط للأراضي والشوارع والمباني بالنظام الشبكي

انتشرت المضاربة على أراضي الدمام نحو 1950م بفعل تدخل الحكومة المركزية، بدءاً بإنشاء الميناء وربطه بخط حديدي للرياض، ما جعلها المنفذ البحري الرئيس للعاصمة، وتعزز هذا المسار باختيار الدمام عاصمة للمنطقة وانتقال الأجهزة الحكومية إليها 1952، فوصلت من 250 إلى 400 فدان، فانتشرت المضاربة على الوحدات السكنية، ففُككت قطع المخطط الأصلي إلى وحدات أصغر لتلبية الطلب، ما غيّر أحجامها ومساحاتها مع الحفاظ على خطوط الشوارع
.
بقيت مدينة الرياض شديدة الصغر أول 30 عاماً من فتحها 1902م إلى أن أنشأ المؤسس (المربع) 1938م شمالها - كنموذج على أصالة مواكبة للسيارات ومحطات الكهرباء ودورات المياه وباقي وسائل المواصلات والمرافق -، وبنيت قصور أبنائه بينهما (الفوطة)، ثم الناصرية عن يساره الناصرية 1955م ثم الملز عن يمينه 1958م تقريبًا، والذي غير نمط التنمية العمرانية على كافة مدن المملكة، لأنه مشروع عبر عن رؤية الدولة وسكنه ذوي المكانة المرموقة

أحست الحكومة السعودية بالحاجة لتوجيه النمو فأطلقت مشروع مخطط مدينة الرياض مع مكتب دوكسيادوس 1968م واستغرق 3 سنوات للإعداد وعامين للعرض على مجلس الوزراء واعتمد 1973م بخطة 28 سنة، لكن بعد سنتين عدلته شركة أخرى مخططاً لأسباب كثيرة، غير أن دوكسيادس كانت أصرت على أنه يجب عند وضع أي تشريع ضمان المحافظة على المبادئ الأساسية لفن المعمار المحلي كالفناء الداخلي والخضوع لأنظمة تبرز الطابع الخاص للقديم في الجديد

في مخطط دوكسيادس للرياض 1973م: المراد وضع مخطط يعبر عن الخصائص المميزة للرياض، واحترام ظروفها وعناصرها التقليدية وطابعها الخاص، باستثناء المساكن المخططة بلا مبالاة على النمط الغربي، بل التناسق النسقي الخاص كالأفنية الداخلية وباقي الأبعاد والأنماط التقليدية والجمالية بل والمناخية والاقتصادية، ليكون الجديد استمراراً للقديم

أول أبراج الرياض كانت عمارة فهد بن محمد، من 6 أدوار، قبل 1960م، وهي تطل على مساكن تقليدية في جنوبها، ولمعالجة انتهاك الخصوصية الممكن هذا تم بناء الجدار الجنوبي بشكل مصمت بدون فتحات، وتمت الاستعاضة عن الفتحات بمناور لتوفير الضوء والتهوية للمطابخ ودورات المياه. وكذلك تم إصمات جدار (عمارة الرياض) الغربي على شارع الوزير. كما شرطت البلدية عدم تأجير شقق فوق الدور 3 للعزاب أو حتى صعودهم إليه

أول عمارتين في الرياض (فهد بن محمد وعمارة الرياض) لم تكن تطل على المساكن، لكن الثالثة (الزهرة) 1968م كشفت حرمة أهل البيوت المجاورة، الذين احتجوا للبلدية فترة إنشاء العمارة دون فائدة، فاتجهوا للمحكمة وأصلحت بينهم دون تغيير خطة البناية، لتضاؤل القوة التفاوضية للسكان، وفتحت المجال لكل فرد في استغلال أرضه لأقصى حد دون أي اعتبار لما قد يلحقه من أذى للجيران

مخطط دوكسيادس للرياض 1973م: للمناطق المركزية القديمة قيمة جمالية ذات شأن، طابعها المميز يعكس تراثًا تاريخيًا وثقافيًا غزيراً يشكل ثروة قيمة يجب المحافظة عليها، واعتبار مبادئها التي تعكس نمط الحياة الاجتماعية للسكان وتقاليدهم والظروف العمرانية مصدر الاهتمام في التصاميم الجديدة، تم تشييد أقسام في الرياض الجديدة دون مراعاة للقيم الجمالية والتصميمية لفن المعمار التقليدي، وإذا استمر هذا الوضع ستفتقر الرياض عاجلاً لأي طابع خاص

أمام انتهاك الخصوصية، يلجأ السكان للمحاكم التي ترفع الحق في الخصوصية فوق كل اعتبار، فلا تُجاز أي نافذة تطل على دار الجار مهما كانت أنظمة البناء الرسمية. شكى رجل 1980 نوافذ تطل على بيته في محكمة البدايع، فاجبر القاضي الخصمين على الصلح، وأُعيد تصميم النوافذ بحيث تحمي الخصوصية وتم رفعها لتوفير الضوء والهواء، ولولا الصلح أغلق القاضي النوافذ بالكامل

تجاور في المدن العربية الإسلامية قصر الغني وحجرة الفقير، لم يصنف أي حي بمستوى الدخل بل بالقرابة، على النقيض من مخطط الرياض الذي فرض مقاييس دنيا للأراضي حسب الحي، ففصل السكان عن بعضهم، وأدخل قيم اجتماعية جديدة لم تكن مقبولة، وقسم المدينة لشمال الأغنياء وجنوب الفقراء، مثل العريجاء حيث 20,000 قطعة سكنية لمحدودي الدخل

نص مخطط الرياض 2.0 مع ست سيدس 1976م على: يعتبر حفظ الخصوصية الأسرية من التعديات البصرية من أهم المحددات التصميمية للمسكن الخاص في السعودية، الأمر الذي يوجب في الأنظمة توفير إطار ملزم لتأمين وحفظ الخصوصية واستخدام أفنية وفراغات المنزل بحرية وأمان طبقًا لتقاليد وتشريع المملكة. ولذا تم إلغاء اشتراط الارتداد الجانبي والخلفي، ووضع شرط للارتداد الاختياري لتأمين الخصوصية وفق حساب محدد يضمن العجز عن رؤية من في ارتداد الجار

نشأت النظم العمرانية المعاصرة المطبقة في المدن العربية الإسلامية أواخر القرن 19 في السياق الأمريكي والأوروبي، لا بوصفها أدوات تنظيم عمراني محايد، بل كآليات لحماية الملكية السكنية للعائلة الواحدة وتعظيم قيمة العقار، ومع نشوء تخطيط المدن الحديث انحصر الاهتمام بتحديد المناطق، موجّهة لتحقيق غايتين حصريتين: منع أسعار الأراضي المرتفعة من النزول والتذبذب، وفرض مخطط عمراني بتجاهل كامل لآثاره الاجتماعية

بدأ تخطيط المدن في الولايات المتحدة، كأداة إقصاء مكاني، في سان فرانسيسكو استُخدم لعزل مغاسل الصينيين -بوصفها نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي- تتمريره قانونيًا بصيغة محايدة عبر تقسيم المناطق كما فعلت مدينة موديستو، وبلغ هذا المسار ذروته مع قانون نيويورك 1916 الذي صدر لحماية عمارات الشارع 5 ومنع ناطحات السحاب من تهديد زبائن الطبقة المتوسطة والعليا وقيم العقار، مرتكزًا على مبدأ تنمية وتحصين الاتجاهات التقليدية القائمة

أقرت المحكمة العليا الأمريكية 1926 في قضية إيوكليد وأمبلر مخطط المدينة شرعية دستورية، فتبعته أكثر من 500 مدينة رغم اختلافاتها، وهكذا استقر التخطيط الحديث كنظام لتثبيت الفصل الطبقي المكاني وتنظيم أنماط العيش، ثم نقل لمدن العالم العربي دون مساءلة سياقية أو حضارية، فحمل معه منطقه وأثره كما هو، وورد في سابقة محكمة الولاية لقضية المحكمة العليا: سينتج عن المخطط في النهاية تصنيف السكان وفصلهم حسب دخولهم أو وضعهم المعيشي

استحدثت لندن اشتراط الارتداد حول المباني 1844م، بعدما عانت من حرائق بيوتها الخشبية المتلاصقة، بحوش لا يقل عن مئة قدم مربع للمباني، وبعد خمسين عاماً، فصّلت الشروط عبر قانون البناء، ونصت على ارتداد مساكن الطبقة العاملة عن الشارع بحيث يتساوى مجموع عرض الشارع والارتداد مع ارتفاع المبنى
.
يولي المجتمع للخصوصية اهتماماً فريداً من نوعه، بينما لا يعيرها الغرب أي اهتمام، فالارتداد وفتح نوافذ على الجيران يحرم المسلم الطمأنينة والتمتع بملكيته بشكل كامل، ومناخه الحار والجاف لا يناسب قضاء الوقت في الفراغات المحيطة
.
أخطأ واضع النظام في فهم اختلاف قيم ومبادئ الغرب عن المجتمع الذي يتعامل معه، عوضاً عما رسموه من شوارع عريضة مزدانة بالخضرة الجميلة للناظرين خرجت الرياض ومدن أخرى عليهم بـ «أسوار على جانبي الشارع»، حاول المخططون بفرض نظم الارتداد إدخال نمط حياة جديد قائم على فلسفة (الاتجاه للخارج)، خلافاً لحياة العائلة العربية المسلمة المرتكزة على فلسفة (الاتجاه للداخل) فرفض ذلك النمط عبر الأسوار التي تخفف أزمة الخصوصية
.
عرض عمر لتوسعة المسجد النبوي على المجاورين البيع أو الهبة أو التصدق، فقبلوا إلا العباس، فعرض عليه عمر تعويضاً مفتوحاً أو داراً بديلة من بيت المال، فرفض، واحتكما إلى أبيّ بن كعب الذي روى عن رسول الله بأن داود أراد انتزاع دار لتوسيع بيت المقدس فأوحى له الله أن لا يدخل في بيته الغصب، فامتنع عمر فوراً عن المساس بالدار، هنا تصّدق العباس بها طوعًا، وعوّضه عمر بدار الزوراء من بيت المال
.
وبشأن نزع المباني والأسوار الخطرة، فهي تنقسم إلى نوعين: الآيلة للسقوط والواضح خطرها، تُلزم البلدية بهدمها وبيع المخلفات إذا لم يتمكن المالك، والمباني الخربة المهددة للمجتمع تُلزم مالكها بالإصلاح، وإن عجز أو كان وقفًا، يجوز للسلطة أو آخرين إعادة البناء واستغلاله مؤقتًا لتغطية التكاليف والربح، مع بقاء الملكية للمالك بعد استيفاء التكاليف
.
تأسست المدينة العربية الإسلامية على أعراف منبثقة من شريعة مكونة من عبادات (محددة الأفعال) ومعاملات (محددة الإطار مع حرية الأفعال) وهي أغلب قواعد المدينة، محظورات لا ينبغي تجاوزها، دون فرض أشكال أو استعمالات مسبقة، فنتج عمران مرن علاقته تبادلية مفتوحة بين الشكل والاستعمال، أما المدينة المعاصرة فتحدد ما يجب عمله وكيف يجب عمله، في علاقة جبرية بين الشكل والاستعمال الذي قد لا تقبله قيم وأعراف الناس بل يناقضها ويتنافى معها
.
نجم عن اختلاف طبيعة نموذجي المدينة العربية الإسلامية والمعاصرة واعتقاد حياد النظم المقننة الحديثة وخلوّها من المضامين الثقافية، إلى ازدواجية مجتمعية تجلّت تنظيميًا وتشريعيًا وعمرانيًا، حيث لطالما تعارضت القرارات الصادرة بين سلطة المباني (منطق اللوائح والمخطط العام) وبين المحكمة (منطق القيم والمبادئ الدينية والأعراف الاجتماعية)، فتتعارض قراراتهما، وينتج عمرانيًا وجود بيئتين متنافرتين: عربية إسلامية ومعاصرة
.
انقسم موقف المجتمع من الحداثة العمرانية إلى تقليديين يقبلون التقنية الحديثة كضرورة بعد تجريدها من مضامينها الثقافية، وتقدميين ينكرون شرعية التقاليد وأصالتها ويرون محوها والبدء من الصفر باستيراد الأفكار والتقنيات من الخارج. أساء التقليديون فهم الأدوات باعتبارها محايدة قابلة للفصل عن أطرها الثقافية والتنظيمية، وتوهم التقدميون إمكان تجاوز التقاليد كليًا، فنشأت بنى ونظم متوازية وغير منسجمة على كافة المستويات
.
نمو المجتمع الصناعي وتعقّد التقنية أدى لتصاعد التخصص، ففقد المجتمع قدرته على العمل كوحدة واحدة وتقلص دور المجتمع وحريته في إنتاج مقاييسه ذاتيًا، وأُسندت إدارة المجتمع وتخطيطه إلى إداريين وتقنيين فُوِّضوا بوضع الأهداف والمعايير والأدوار، فكرّس رؤى تخطيطية قد لا تنسجم مع حاجاته، كما يتجلى في المخططات الرئيسية لمدينة الرياض التي جسدت تصور الإداريين والتكنوقراط لما يجب أن تكون عليه المدينة أكثر مما عكست رؤية المجتمع نفسه
.
الافتقار التام لدراسات تحليلية تفسّر آليات نشوء وتطور المدينة العربية الإسلامية التقليدية، واقتصار الموجود على الوصف دون فهم بنيوي، عزّز هيمنة الدراسات العمرانية المستندة للعلوم الإنسانية الغربية، والانطلاق من نموذج نشوء المدينة الغربية لفهم المدينة العربية الإسلامية، فترسّخ نموذجًا خطيًا زمنيًا يقود حتميًا إلى التماثل مع الغرب، عزز اتجاهات تنمية البيئة العمرانية الغربية في المجتمع
.
لمعالجة ازدواجية المجتمع لا بد من العمل الجاد النابع من الفهم والإدراك التامين، وكمثال عمراني يمكن إعداد برامج للمخططين تتناول الشريعة الإسلامية ومعالجتها لقضايا المجتمع، وتناقضها مع النظم العمرانية المعاصرة، فالتقاليد هي المصدر الأهم لمعارفنا والمرجع الذي نبني عليه أفكارنا وتصرفاتنا، ويؤخذ منها باعتبار أصالتها، وبفهمها نفتح الإمكان لتجددها وتطورها، ليس فقط تكرار المشربيات والأروقة والقباب بل تكرار أسباب تطويرها
.
تحديد الشكل العمراني في إطار المدينة العربية الإسلامية لا يوجد في الأشكال المعمارية ذاتها، وإنما في التنظيم الذي يحكم اتساقها وسلوكها، ما يتيح تكييف وتغيير الأشكال طالما بقيت قواعد السلوك والعلاقات والنظم الاجتماعية التي كانت تحكمها صامدة، وينفي وجود نمط شكلي ثابت للمسكن أو المدينة، إنما هناك اتجاه محدد إزاء كيفية تعايش وتعامل الفرد المسلم مع جيرانه ومع المجتمع بشكل عام
Profile Image for Abdulrahman.
49 reviews1 follower
December 2, 2025
سعيد بأن يكون تعليقي هو أول تعليق على هذا الكتاب العذب والجميل، جهد رائع من المؤلف وجدير بالقراءة، كتاب ماتع ونافع في بابه، كنت من قبل أقول: الكتاب الجميل هو الذي يحفزك للقراءة في موضوعه.
تمنيت من المؤلف لو اعتنى بالترجمة عناية أكبر.
Displaying 1 - 3 of 3 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.