2001-2005 كاتب أسبوعي بمجلة "أحوال" 2005-2006 كاتب أسبوعي بجريدة "البيان" 2006- إلى الآن، كاتب أسبوعي بجريدة "الاتحاد".
إصدارات: "مع تحيات بوقلم" كتاب ساخر. "حجي حمد الحلواني" كتاب ساخر. "الأسد الذي اعترف" قصص قصيرة. "عالم عيال آدم" كتاب ساخر. "الأكول.. سيرة بطن" كتاب ساخر.
لا أدري أي حظ سيء أو سعيد جعلني أقرأ كتاباً عن الموت يفترض عنوانه أننا نتفق على كره طبيب الولادة في يوم كهذا من أيام عيد الأضحى الذي تزداد فيه نسبة حبنا للأطباء والتردد عليهم لأجل الحصول على إجازة مرضية تجعل من العيد عيدين !
منحني هذا العنوان الغريب والجميل شعوراً مألوفاً وأنه ما هو إلا تمهيداً لما يسمى بالفلسفة العبثية حول موضوعات الموت والحياة وأن الكتاب ليس سوى النسخة الإماراتية لكتاب سارة بيكويل "في مقهى الوجودية" يستعرض بشكل خفيف الإنجازات الفلسفية وما توصل إليه رواد الوجودية، أو ربما يكون شبيها بكتاب "من عاش بعد الموت" لابن أبي الدنيا... لكن الحمد لله الأمر لم يكن كذلك !
لم يكن الكتاب يحمل طابعاً جنائزيا وإن بدى مهتما بالموت.
يكشف لنا الكاتب أحمد أميري بأسلوبه (الجميل جداً) واحدة من أكثر الموضوعات التي لمعت يوما في ذهن أي شخص كنوع من حالة كئيبة على نحو فكري تظهر نفاذ بصيرة لا فقط في شخصية أميري بل أيضاً في ذكائه العاطفي. مقالات تعج بأفكاره الساخره تجاه المواقف التي تنتمي بطريقة أو بأخرى للموت: (( لماذا أفعل أي شيء إذا كنت أتمنى الموت؟ لماذا أنجب أطفالاً إذا كنت سأتركهم يوماً؟ لماذا أتكلم إذا منت سأصمت الصمت الأبدي؟ لماذا أبني بيتاً إذا كنت سأرحل عنه؟ لماذا أتلذذ بأي شيء إذا كانت اللذة ستنتهي على يد هادم اللذات؟! ..... ))
كانت هذه الأسئلة التي تبدو ساذجة بمثابة هلاوس لا أكثر إلى أن انضم أقرب شخص له إلى نادي الأموات؛ والدته -رحمها الله- فكانت الفاجعة التي تعلم منها أن سح الدموع المالحة لا جدوى منها، وأن الحياة بالرغم من كل شيء تستحق أن تعاش بأطول فترة ممكنة.
يخبرنا أميري بأن الموت أمر ملهم من تلقاء نفسه وبطريقة ميكانيكية يوفر لنا كمًّ هائلاً من الأفكار القادرة على توجيه حياتنا الروحية، واستخلص في أفكاره تلك أن الذي فشل في حرفة العيش حتما سيفشل في ما بعدها، لهذا السبب فأن التحدي المختبأ في عنوان الكتاب بصورة لا تبدو أنها مختبأه يجب أن تظل في الأذهان عند قراءة الكتاب من المقال الأول وحتى الأخير !
يوحي كتاب "لماذا نكره طبيب الولادة؟!" بهذا التفكير البسيط: ليس محزنا أن تموت بينما الكثير من أصدقائك يموتون. هكذا نصبح واحدا في جماعة ... أهلا وسهلاً؛ تفضل بالدخول نادي الموتى من هنا !
عندما كان الكاتب الإنكليزي "كولن ويلسون" في ال١٦ من عمره أصابته حالة مريعة من الإحباط واليأس والشعور باللاجدوي من الحياة (التي مهما طالت ستكون نهايتها العدم) وبدأ يتساءل بشكل جدّي لم يتوجب عليه المضيّ في هذه اللعبة السخيفة المسماة "حياة"؟ أليس من الأجدى أن يدير لها مؤخرته إحتقارًا لها ويقتل نفسه ؟ وبالفعل تسلل "ويلسون" في أحد الأيام إلى مختبر الكيمياء حيث كان يعمل، وتناول قنينة تحوي حامض الهيدروسيانيك وفتحها، وبدأ يتنشق رائحة اللوز النفاذة المنبعثة منها والكفيلة بقتله خلال نصف دقيقة. ثم حصل له أمر غريب. أحس بأن هنالك كائنًا آخر انفصل عنه وبدأ ينظر له بازدراء واحتقار. ثم صرخ في وجهه : تريث أيها الاحمق وفكر كم ستخسر عندما تزهق روحك!
يقول ويلسون بأنه في تلك اللحظة مرّ بما يسميه علماء السايكولوجي "تجربة الذروة" وهي تشبه إلى حد ما ما يسميه المتصوفة "الكشف". انتهى الأمر به إلى إغلاق القنينة وإعادتها إلى مكانها على الرف وخرج من المختبر كائنًا آخر.
بعد سنوات، أي في العشرينيات من عمره، نشر "ويلسون" كتابه "اللامنتمي" الذي طرح فيه فلسفته التفاؤلية التي أسماها "الوجودية الجديدة" وهي الضد من وجودية سارتر وكامو التشاؤمية، وفتح له، هذا الكتاب، أبواب الشهرة والثروة.
على الرغم من أن الكاتب "أحمد أميري" يؤكد بأنه لم يصل إلى أعتاب التفكير بالانتحار، إلا أنه يعترف بأنه مرّ بحالة من اللاجدوى من الحياة، مشابهة كما أعتقد لتلك التي مرّ بها "ويلسون". يقول أميري في الفصل الأول من هذا الكتاب بأنه وقع في ثقب أسود ابتلع حياته وحوله إلى روبوت يحيا بشكل أوتوماتيكي بدون أي مغزى أو هدف لحياته، فإذا كان مصيره أن يلقى في حفرة قذرة في نهاية المطاف فما جدوى التفكير في هذه الحياة بل وما جدوى العيش فيها. ثم مرّ أميري بحالة من "الكشف" قلبت حياته رأسًا على عقب، وعلى غرار "ويلسون" بدأ أحمد أميري بالسخرية من الموت عوضًا عن اللجوء إليه.
تتوالى فيما بعد فصول هذا الكتاب، الذي تمنيت أن يكون أكثر طولاً، وفيها يحول أميري الموت إلى أضحوكة فتارة يسخر من أولئك الذين يقضون حياتهم وهم يخشون أن ينقض الموت على أحبابهم قبلهم فيتركهم أسرى للحزن والدموع، وتارة يسخر من الغرور البشري الذي صور لإنسان القرن الواحد وعشرين بأنه وصل إلى نهاية الحضارة ولن يستغرق الأمر، بعد موته، سوى أيام لتعلن الملائكة حلول يوم القيامة وتبعثه من قبره. وبين هذا وذاك، يتناول أميري، بحس مفرط في السخرية من الذات، الكثير من الموضوعات المتعلقة بالموت مثل الوصية والتبرع بالأعضاء وزيارات أرواح الموتى لأحبابهم في الأحلام.
يقول "ويلسون" بأن كل من أنجز أعمالاً ذات أصالة قد اختبر تجربة أن يكون على على شفا هاوية الانتحار يوما في حياته، توفر له النظر إلى الهاوية السحيقة التي هو مزمع على الرحيل إليها، وسواء أنكر أميري ذلك أم لم ينكره أجزم بأنه وقف على تلك الحافة وإلا ما تسنى له أن يكتب بهذا القدر من الأصالة والإبداع.
إذا كنت من الذين يفكرون بلحظات ما قبل الموت وأثناءه وبعده كثيراً، فعليك بقراءة هذه النصوص الساخرة حول الموت والتي تجعلك تبكي وتضحك في آنٍ واحد، تبكي على فراق الأحباب والأصحاب، وتضحك على تفاصيل وحوارات هذا الفراق في داخل نفوس من يحبونك مباشرة بعد مغادرتك لهذه الدنيا.
لا أنصح بقراءة هذا الكتاب لمن يفكر بالتبرع بأعضائه بعد وفاته، خصوصاً إذا كنت مثل الكاتب تخشى من انتقال جيناتك السمينة إلى من بعدك.
كان من المفترض على الكاتب أن يقدم في خاتمة الكتاب اعتذار لانني أظن أغلب من قرأ الكتاب مع انه يعتبر من المقالات الأدبية الساخرة إلا أنه جعلني أفكر بأبعاد الموت وما الظروف التي سأكون فيها حين أموت وما الشعور الذي سينتابني وهل سأدفن وما يمكن أن يحدث لي في ثلاجة الموتى ):