كَتب المؤلف هذا الكتاب - على ما يبدو – في وقت متأخر من حياته إذ يبدو فيه النضوج الفكري والاستواء المعرفي لديه في أشده، كتبَه بمداد المسلم العالم الحزين على واقع أمته الذي نظر إلى أبنائها فتألَّم لجهلهم واتباعهم طرُق الشرق والغرب ونسيانهم الطريق الوسط (طريق الإسلام)، هذا الرجل أمضى حياته مؤلفاً غيوراً على دينه وعلى أمته فمضى يفضح أخاديع أعدائها وزيوف أفكارهم ويهذِّب من تفكير المسلم حتى يهتدي إلى الحق الذي لا يتعدد "فماذا بعد الحق إلا الضلال".
في كتابه هذا تناول المؤلف عدة مواضيع وعالجها علاجاً مفصَّلاً:
في الباب الأول: تحدَّث عن الأخطاء الفكرية التي يمكن أن يقع فيها المفكر العاقل الذي ينشد الحقيقة ( كمن يدرك الحقيقة إدراكاً ناقصاً أو زائداً على الحد المطلوب، ومَن يعمِّم في أحكامه فيأخذ الصالح بجريرة الطالح وينبذ أموراً فيها خير كثير لوجود شائبة شرٍّ فيها) وضرب أمثلةً على تلك الانحرافات الفكرية كتعميم الحرية دون قيود وكرفض كل معطيات الحياة الغربية...، ثم ذكر أسباباً للانحرافات الفكرية التي يمكن أن تقع أثناء عملية التفكير كالتعصب والتقليد الأعمى والتسرع في اتخاذ القرارات...، ثم ضرب أمثلةً للنتائج التي أوصل إليها التفكير الخاطئ فناقشها وحللها وكشف خطأها.
في الباب الثاني: تناول قضية اتخاذ الأسباب والتوكل على الله سبحانه، إذ صحح المفاهيم المغلوطة في هذه القضية، وبيَّن الغلو الذي ذهب ضحيته كلٌّ من المعتزلة والجبرية، وأكَّد على أن التوكل على الله عملٌ قلبي لا ينفع وحده ما لم يرافقه العمل الجاد واتخاذ الأسباب، وضمن هذا الباب ذكَر المؤلف وجوه النصر التي يمكن أن يؤيد الله بها المسلمين الصادقين العاملين، فإما أن ينصر حجتهم أو أن يهلك عدوهم بالأسباب الطبيعية أو بأيدي المسلمين أو أن يزرع في القلوب قبول الدين الحق...
في الباب الثالث: عالج المؤلف قضية الغلو في الدين والتفريط فيه، إذ بيَّن أن المنهج الديني منهج وسط في العقائد والتشريعات والسلوكيات والولاء، فلا يُقبَل الغلو في أحدها ولا التفريط.
في الباب الرابع: دار الحديث حول قضية الجهاد في سبيل الله: تعريفه ومجالاته( جهاد النفس والدعوة والمحاججة والدفع والطلَب) وأسهب في سرد النصوص القرآنية التي تنطوي على ذكر قضية الجهاد مرتَّبة وفق نزولها مما كشف التدرج الذي انتقل به المسلمون من مرحلة السلم في المرحلة المكية إلى مرحلة الحرب في المرحلة المكية، وقد أكَّد الكاتب على فكرة أن الجهاد النفس وجهاد الدعوة والمحاججة لا يقتصر على أوقات السلم أو الاستضعاف فقط، بل هو سارٍ في كل أحوال المسلم، ونوّه المؤلف إلى شروط الجهاد الحربي ضد أعداء الدين فلا يجوز الاندفاع إلى القتال دون توافر شروط دنيا فهذا تهوُّرٌ ورميٌ بالنفس إلى التهلكة، فشروط الجهاد هي: إعداد المستطاع من القوة، واستنفاد وسائل الدعوة السلمية قبل القتال، وأن يكون القتال لإعلاء كلمة الله،ثم ختم البحث بالتنويه إلى محاولات أعداء الإسلام لتحريف مفاهيم الجهاد في سبيل الله إذ صوروه على أنه إرهاب وحب للقتل والسبي، وردَّ المؤلف على هذه التحريفات.
هذا الكتاب يُفضَّل أن يقرأه كل مسلم واعٍ غيورٍ على دينه، كي لا يقع في أخطاء مَن سبقوه ولا يكرر تجاربهم الفاشلة، يحتاج الفصل الأول إلى قراءته بتأنٍّ وتمهُّلٍ على عكس الفصول الثلاثة الباقية.