ثمة أفكار يوهم رواجها وتواتر إيرادها بصحتها، وتتجلى مقولات يمنحها التقادم وكثرة التكرار ما يشبه القطعية، أو المسلَّمات التي تتوافق مع اتجاهات فكرية وسياسية ما.. تعيد إنتاجها خدمة لهذا الاتجاه أو تلك الرؤية وتكريسا لهما. ومن ذلك فكرة وصم الثقافة أو الحركة الأدبية في العهد العثماني -وفي حاضرتيه المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة- بـ(الجمود والتدهور والانحطاط). وهي فكرة تتمثلها وتعبِّر عنها هذه المفردات. وقد كُتب لها الخلود مذ خطها كاتبها الأول، ثم درج الدارسون والمؤلفون على ترديدها. وسوق الأدلة عليها؛ مما تيسَّر أو تعسَّر مما لا يعدمه أي عصر من أحوال ثقافية، ولا يمكن موضوعياً أن تكون على درجة سواء من الرفعة والتفرد والابتكار. على أن تلك الفكرة لم تكن قاصرة على الحاضرتين المقدستين، بل عمَّت وغمَّت كل الحواضر التي كانت تحت سلطة العثمانيين. ولعل القارئ لأي سفر من الأسفار التي عرضت للأدب في ذلك العهد، لن يجد ما يخرجه عن إسار هذا الحكم، الذي شاع وذاع بلا تثبت أو إعمال نظر في مجمل الثقافة ومظاهرها في ذلك العهد، حتى تبرز تلك الفكرة بقالبها اللفظي الجسور، فلا يجد مناصاً من الانطلاق منها أو الخلوص إليها في ما يقرؤه أو يطالعه في هذا الشأن. وفي كتابه (ذاكرة الرواق وحلم المطبعة.. أصول الثقافة الحديثة في مكة المكرمة 1101-1384هـ - 1689 - 1964م) لحسين بافقيه، تداخل الباحث المكي مع تجليات الفكرة، وأعاد تفكيك مفهومها، فبدت لديه قلقة يعوزها التحقق، وقد أخذها إلى ميدان الاختبار مراجعة وتحليلاً، آل منهما إلى نقضها من أساساتها، فانطلق من مقدماتها ومكامن رواجها، وما ترتب على ذلك من سياقات ونتائج. فنقض وفرز وتحقق من هلاميتها بحزمة من الأدلة والأمثلة والنماذج، وزخم معرفي يبددها، ويجعلها ضئيلة مرتابة لا يسندها غير منطق الادعاء، وموجبات سياسية وجَّهتها إبان ولادتها نحو الامتداد والبقاء. إلا أن بافقيه قد غاير مألوف ما راق للدارسين قبله وران على دراساتهم، وسار بعكس اتجاههم في كتابه الذي رام به وصل الثقافة الحديثة في مكة المكرمة ومظاهرها بأصولها؛ في مجمل ما كان سائداً في مكة المكرمة من قدر للعلم والعلماء، وإجلال للمعرفة، واشتغال بقضاياها، وطاقات وهمم خلاقة تجلت مظاهرها في حلقات العلم في المسجد الحرام، ومؤلفات العلماء، والتنوع المذهبي وانفتاحه على فضاءاته المجتمعية، وحركات الإصلاح، ومشاريع التنوير، وتأسيس المطابع وإصدار الصحف، ونظم الوظائف الدينية، وتنظيماتها، وإحالاتها، وفكرة الدولة، والتحولات السياسية وتتنوع وتتعدد المصنفات العلمية في الفقه، والنحو، والنقد، والبلاغة، والتصوف، والتاريخ، والترجمة، والطب، و الشعر، وتكوُّن النخب الحديثة التي قامت على تراكمات عديدة لهذه المعارف والفنون، فأضحت بارزة للمتأمل في حاضر الثقافة في مكة المكرمة اليوم في فنون الأدب الحديث. فمن مركزية مكة المكرمة الدينية، التي يرى المؤلف أن مكة ظلت وفيَّة لها ومعبرة عنها، خالصة من زينة الدنيا إليها. انطلق إلى ما كان من أمرها في حقل الدنيوي؛ فكانت أم القرى ملتجأ المسلمين من مختلف الأعراق والبلدان والثقافات والنحل، لتغدو (أنموذجاً مصغراً للعالم الإسلامي) لتهب مكة أولئك هويتها ولون أرضها وسمائها. فخلَدوا ذكراً، لأنها منتماهم، ومشكّل ثقافتهم التي آتت أكلها مؤلفات في فنون المعرفة المختلفة. وقد مخر الكاتب عباب المخطوط والمطبوع مما أُلف عن ومن مكة، وثفافتها، وجهود علمائها في الحقبة التي اختارها، وملأ الفراغات التي حفرتها الفكرة الهلام، التي صدَّرنا هذه المقالة بالإشارة إليها، وأخذ على المحدثين من أدباء البلد الحرام الترويج لها، والاستناد إليها في كثير مما كتبوه. فكان بحثه في الأصول والتمثلات الأولى لتلك الثقافة، معبَر إلى وصلها بما تلى تلك الحقبة من رؤى وأفكار حوتها المؤلفات التي عرض إلى بعضها إشارة، وبعضها تفصيلا. وكان اتجاهه إلى إحصائها إجمالاً، دحضاً لفكرة قلَّتِها، فيما كان نحوه إلى التفصيل في بعضها الآخر؛ تحقيقاً لقيمتها النوعية وزخمها المعرفي، بما اشتملته من مضامين،وما انتقاه من متونها من قضايا. وفي مقاصد وغايات الخط المنهجي الذي رسمه المؤلف لكتابه، بتنوع موضوعاته وتعددها، واختلافه فيه إلى مناحٍ وإشكالات في السياسة والاجتماع والتاريخ والتحولات؛ تبرز مكة مركز الدين- مركزاً للثقافة، والحراك الحيوي الذي شمل أحوالها كافة، في تجاذبات وتداخلات يخلص القارئ منها، إلى نتيجة تؤكد خصوبة الفكر الإسلامي المكي، وحيوية دوره في سياق الفكر بعامة، وفي خدمة علوم الدين، وعلوم اللغة وفنونهما. وكان عناء الباحث في جمع مادة كتابه، ووصل موضوعاته ومباحثه- في سياق متماس ومتماسك، ووفرة ما انتهى إليه من مراجع غير رائجة- لائقاً بشرف المقصد الذي ابتغى منه تجلية صنيع المكيين وقدر إسهامهم في المعرفة عبر تاريخهم الطويل. وكانت نواة الكتاب محاضرتين ألقاهما في محفلين أدبيين في وقت مضى، ثم أراد إثراءهما تعمقاً وتقصياً. بالحذف منهما والإضافة إليهما، والتوسع في مباحثهما، ودمجهما لتصبحا كتاباً يرج مسلًّمات ألِفها القارئ والمتابع المتخصص، كما غيره من غير المتخصصين؛ ليخرج المؤلف بخلاصة بحثه الرصين، في أن مكة (مدينة مطواعة). وغاية ما أراده هو أن البلد الحرام لم يخش يوماً الوافد أو الطارئ.. وكان مثالاً للمدينة الحضارية، التي تصنع الحضارة وتؤسس قواعدها وتزدهي بمباهجها معرفة أصيلة، فكان أن فاض منها الدين والدنيا معاً. غير أن ما يزيد من قيمة هذا الكتاب في نظري، هو إزاحته للمسلَّمة الافتراضية، التي صدَّرنا بها هذه المقالة، من إطار اليقين الوهمي الذي أحاطها ورسَّخها، إلى ساحة الفحص والتحرير، وإقامة النموذج البحثي العلمي، الذي يقوضها، ويعرض مغايراتها المناقضة. بحسب ما حفل به الكتاب من مراجعات واستدلالات، ونماذج، ومعلومات، استوت رؤى وإضافات ناجزة تستحق الإشادة والاحترام.
كتاب خرجت منه بدرس عميق وهو: ألا أحكم على أمر بدون الاطلاع على بحث علمي جاد حيادي (كهذا الكتاب)، وذلك مهما تواتر وتكرر ذلك الحكم او تلك المقولة.
في موقع (جود ريدز) وصف من الناشر للكتاب يغنى عما قد أكتبه من تقييم، خاصة ان المؤلف قد رجع إلى مصادر ومراجع نادرة ليخرج منها بشواهد للتعريف بمراحل تطور الثقافة المكية على مدار ما يقرب من ثلاثة قرون ( ١١٠١-١٣٨٤) التي توافق (1689- 1964)، وذلك بلغة علمية ثرية، ممتعة وسلسة، قوية الأسلوب دقيقة التعبير، لتوضيح نتيجة بحثه هذا عن الثقافة المكية، ورسالة وتأثير تلك المدينة المقدسة تجاه التاريخ واللغة والأدب في العالمين العربي والإسلامي.
الصورة للطبعة الأولى من الكتاب الصادرة عام ١٤٣٠هجري، الموافق 2009، متضمنة 422 صفحة من القطع المتوسط، الناشر: دار المؤلف للنشر والطباعة والتوزيع، بيروت-لبنان.