وقع بين يديّ منذ جوالي اسبوعين، هذا الكتاب النفيس الذي سهر أحمد المديني على تقديمه وترجمته. ترجمة رغم انها عن لغة وسيطة الفرنسية إلا أن المديني تمكن منها جيدا.
الكتاب يتكون من شقين الاول يتعلق برسائل راينر ماريا ريلكه الى شاعر ناشئ و الثاني كانت رسائل ماريو فارغاس يوسا الى روائي ناشئ مجهول.
1- رسائل إلى شاعر ناشئ :
كنت أتوقع أن الرسائل العشر الموجهة إلى السيد كاپوس (العسكري الذي كان يطمح لأن يصبح شاعرا) ستكون نصائح عامة و توجيهات لمن يريد كتابة الشعر، من حيث الشكل و المضمون لكنني تفاجأت بكون ريلكه يضع كثيرا من ذاته بين اسطر الرواية، و يحكي للسيد المغمور عن أسفاره و اختلاجاته، و تطورات صحته الجسمانية و النفسية.
كتب ريلكه يتحدث عن تكوينة نفسية الشاعر، وعن كونه يشبه طفلا يغرق في وحدته بعيدا عن عالم الكبار، إنه يراقب العالم كشيء اجنبي عن عمق عالمه الخاص، عن وحدته الكبرى. ان ريلكه يمجّد الوحدة ويعتبرها برغم ثقلها وكبرها فهي تمييز عن العموم، لان البقية يفضلون المساومة و الحلول السهلة بينما "علينا ان نلزم انفسنا بالاصعب، وانه لمن الجيد ان تكون وحيدا لأن الوحدة أمر صعب. وأن يكون الشيء صعبا فهذا مدعاة لمزيد من التمسك به". ولهذا السبب يعتبر انه من الجيد أيضا أن نحب لأنه لا يوجد ما يعدل في الصعوبة حب إنسان آخر.
منابع الشعر حسب ريلكه اربع :ما أسماه هو بالحياة الداخلية للمرء، اختلاجاته و تساؤلاته الوجودية. الحياة اليومية بكل بساطتها و شفافيتها ويقول في هذا "واذا ما تبين لك أن يومك فقير لا تتهمه. إتهم نفسك بأنك لست بعدُ شاعرا لتستدعي إليك ثراء اليومي. لا شيء فقير أمام المبدع، كما ليس ثمة أماكن فقيرة، لا دلالة لها." ثم الطبيعة (وهنا يذكر له النحات رودان Auguste Rodin و الكاتب بيتر جاكبسون Peter Jacobsen). واخيرا، ذكريات الطفولة الغنية و الثمينة.
2- رسائل إلى روائي ناشئ :
على خلاف ريلكه الذي كانت رسائله موجهة الى شخص حقيقي.. يكتب يوسا الى شخص مجهول يناديه بصديقي. و على مدى 11 رسالة، يتحد باسهاب عن فن الرواية. فيقسم حديثه الى محاور متطرقا لكل منها على حدى في رسائله. يتحدث عن مصدر الموهبة الابداعية أهي نعمة نولد معها ام انها قدرة ننميها مع الزمن؟ ام هما معا؟ يتحدث كذلك -كما فعل ريلكه قبله- عن دوافع الكتابة فيسميها بالدودة التي نغذيها و يقول ما مفاده " نكتب لنعيش، لا نعيش لنكتب فقط".
الاقناع، الفضاء و الزمن، السارد، و نقاط اخرى تطرق اليها يوسا تخص فن الرواية. الجدير بالذكر هو ان هذه الرسائل بمثابة مرجع للكتب فقد اتى المؤلف على ذكر عديد من الاعمال العالمية التي يجدر على كل روائي ناشئ قراءتها : موبي ديك لـ ميلڤل، دون كيخوته لـ ثرافانتس، المسخ لـ كافكا، عوليس لـ جيمس جويس، مادام بوفاري لـ فلوبير كما انه الى جانب هذه الاسماء استعرض تجارب مجموعة وازنة من الروائين على مر التاريخ اذكر منهم : فيكتور هوغو، بورخيس، أمبروس بيرس، صامويل بيكيت، اوغوستو مونتروسو، ويليام بورووز، غارسيا ماركيز، هيمنغواي، فيرجينيا وولف و العديد من الاسماء التي لا يمكنني حصرها هنا.
لا يسعني إلا ان اعطي للكتاب علامة كاملة لا من حيث المضمون و لا من حيث الترجمة التي لم اشعر بنقصها. كتاب جمع بين المتعة و الفائدة فكان مثاليا. ارجوكم اذا ما تصادفتم معه، لاتترددوا في اقتنائه.