"الجنوبُ يعني, من ضمنِ ما يعني , نماءَ البردي بجنونٍ. نماءٌ يبعثُ على الدوارِ اللذيذِ, فيشهقُ مَن يراه بصيحةِ : الله ... و يردّدُ الموبوؤون بخرائبِ المدينةِ و مدنّيتها: أحّوي على عمرٍ يضيعُ بعيدًا عن هنا ..
في الجنوبِ يتكاثفُ الزمنُ, يتلبّدُ بغيومِ الجمالِ فيمطرها على الأرضِ هناك دررًا بحجِم الذرَّ, لذا يسيرُ الناسُ حفاةً كي يبيحوا لأقدامهم لثمَ ما تنثّه السماءُ و هي تعترفُ أنّها أطلت على أرضٍ أكثرَ وداعةً من الجنوبِ ... يسيرُ الناسُ حفاةً, و كان يمكنُ ان ينتعلوا, لأنّ التحفّي هو الأكثرُ ملاءمةً للحزنِ الذي يقابلون به جمالًا مسرفًا باذخًا ..
أيّها المعترضون على ما أقولُ, لكمُ جِهتُكُم و لي جنوبٌ.. فأن كنتم في شكٍّ فادنوا من أيّ جنوبيّ و قولوا له بحبٍّ غنِّ لنا و انتظروا.. سيبحلقُ في السماءِ, ثمَّ يطرقُ للأرضِ, و حتمًا سيزفرُ بأحدى الحسنيين: امّا يا هي يا هي يا هييييه .. أو أويلي أويلي .. ويلي .. و أن كان خارجًل للتوِّ من صفعةِ عشقٍ على شغافِ قلبِه فسيئنُّ/ آه .. آه ..
من قَبلةِ الجمالِ الكونيّ هذه وكعبتهِ صادفتُ حبيبتي.. لم أعد أذكرُ أن كان لقائي الأوّلُ بها في العمارةِ أو في غيرها من مدنِ الجنوبِ.. لم يكنلي بدُّ من عشقها ... لم تدع لي حيلةٍ أو مهربٍ .. أسلمتُ لها قيادي طائعًا في الحالِ, ليس لأنّها اختزلت النساءَ فقط, بل لأنّها حَيّدّت شغفي كّله أيضًا, و أدارت بوصلته نحوها ببراعةٍ تليقُ بمَن دبَّ على الماءِ منذُ ولادتهِ و لم يرَ غيره.. ماءُ غزيرٌ تكتظُّ في السماءِ فوقَه طيورٌ حرّةٌ كثيرة .."