أكاد لا أجد الكثير من الاحتفاء "بمفكرين" من أمثال جمال عمر، ربما لأنه لا يحاول جذب الانتباه عبر الخوص في الصراعات التي نمر بها بالطريقة المعتادة التي نراها عبر جميع وسائل التواصل، أو ربما أنه لا يحاول الخروج ببعض التعليقات التي تجلب له الانتباه الكثير.
يحاول جمال عمر في هذا الكتاب إلقاء بعض الضوء على المشكلة الأهم التي تعاني منها شعوب ومفكري هذه المنطقة. أي ما الذي جرى ويجري منذ حادثة التحكيم بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. ما الذي كنا ولا زلنا نخوض فيه حتى الآن.
عندما رفعت المصاحف على الرماح وقال علي بن أبي طالب أن القرآن حمال أوجه وأنه لا ينطق وإنما ينطق به الرجال، هل كان يعي أن جعل القرآن حكمَا في صراعات الدنيا " الصراعات السياسية" سيجر علينا الكثير والكثير.
يبدو أن جمال عمر يرى أن المسلمين جميعهم وعبر مختلف العصور نظروا للقرآن ككتاب، أو كما يقول هو "ككتاب له مركز دلالة وبؤرة معنى" متجاهلين أنه كان في واقع الأمر "أو على الأقل كما وصلنا من المرويات " مجموعة من الخطابات في سياقات مختلفة وأماكان مختلفة وعبر أزمان وظروف سياسية واجتماعية متعددة. ثم تم جمعه في كتاب واحد أو بين دفتي مصحف. إن جمع القرآن أدى إلى اهمال السياقات اللغوية والتاريخية والاجتماعية، فظهر كتاب يكاد يجمع جميع المسلمين على أنه "متوتر" وإن لم يقولوا ذلك بلسان المقال وبصريح العبارة، بل بلسان الحال. لا بيبن جمال عمر معنى هذا التوتر، ليس عن اهمال بل عن قصد.
جرت عدة محاولات لرفع هذا التوتر عبر ثنائيات عديدة منذ الشافعي وحتى اليوم. ثنائيات مثل الناسخ والمنسوخ، العام والخاص، قطعي الدلالة وظني الدلالة. كما ظهرت تلك الثنائيات في العصور الحديثة متل الكتاب والقرآن، الإجرائي والتأسيسي، المعنى والمغزى وغيرها.
ونتيجة لصراعات سياسية ودينية عديدة سادت النظرة الأشعرية والنظرة الفقهية في كل مجالات حياتنا. فأصبح القرآن آزليًا "قديما" وأصبح يحتوي كل شيء، كما أصبح صالحًا لكل زمان ومكان. وأمست النظرة القائلة أن الله هو الفاعل الحقيقى لا الإنسان هي الأخرى سائدة فتم تحييد الانسان وتم سلبه القدرة على فهم العالم والتشابك معه وتغيره والاستفادة مما فيه من خيرات.
استمر الحال على ما هو حتى سقطت الخلافة العثمانية وصدمنا بالآخر الغازي ولكن المتحضر بنفس الوقت. كانت الصدمة شديدة ولم نفق منها حتى الآن. وقد طرح ذلك الغازي المتحضر السؤال الأهم: ما هو سبب تخلفنا وكانت إجابته أن سبب تخلفنا هو الإسلام. نتج عن تلك الصدمة تياران رئيسيان؛ تيار يرى الخلل في فهم المسلمين للإسلام وأن الإسلام لا عيب فيه. كما نتج تيار آخر يرى أننا لسنا أصلًا مسلمين ولذلك تخلفنا.
لا يحاول جمال عمر أن يطرح إجابة للمشكلة فهو غير مقتنع بثقافة الإجابة النموذجية، بل يحاول أن يقول أنه من الأجدر ألا نهمل السياقات التاريخية واللغوية والاجتماعية والسياسية لكل شيء بدأ من نظرتنا للقرآن والعالم والله والإنسان وانتهاء بنظرتنا لآخر سواء كان غازيًا أم غير ذلك.
كتاب مهم يبني على نقد حسن حنفي، نصر حامد وعلي مبروك. اجمال عمر استمرار لمدرسة القاهرة في نقد التراث والاشعرية، وهو يقدم في هذا المجال الجديد . كتاب لا بد من قراءته لمن يهتم بفهم القران. فالقران عنده ليس نص ولا كتاب لأن الكتاب لا بد له من بؤرة مركزية بحث عنها المفكرون دون جدوى. القران حسب جمال عمر مجموعة خطابات شفهية ولا يمكن فهمه بدون فهم السياق التاريخي لمرحلة ما قبل التدوين.