يجب الانتباه إلى السؤال من جهتين: الأولى أن السؤال مهم جدا لفتح خزائن العلوم والاكتساب منها. والثانية: أن السؤال يجب أن يتركز على المهم والأساسي وأن لا يأتي في سياق يخدم إثارة الفتنة سواء بين المذاهب الإسلامية على علاتها أو داخل المذهب الإمامي نفسه وأن لا يكون في سياق تحقيق أهداف الأعداء حتى ولو كان بشكل غير مباشر.
مقدمة حول ضرورة التركيز على المدرسة وأولوياتها: في تاريخ مدرسة أهل البيت ع والتشيع وجدت مدارس علمية عديدة في الكوفة أو في قم أو في بغداد أو في النجف الأشرف أو الحلة أو كربلاء أو سامراء أو حلب أو غيرها وفي جميع تلك المدارس ما اندثر منها أو ما يزال قائما كان هناك أولويات وكان التأليف والتدريس والتعليم يدور حول الأولويات. ومدرستكم المباركة يجب أن تفعل الشيء ذاته أي لا بد أن يكون لها معالم واضحة وأولويات محددة بحسب حاجاتها في بيئتها وظروفها ويجب استثمار العمر والطاقات والعقول والأقلام في تقوية مدرسة بلدتكم.
ملاحظة: هذا الكتيب أعني الأصولية والأخبارية بين الأسماء والواقع وهو الذي طرح السؤال بسبب بعض مفرداته كتاب قيم والحرص فيه على مصلحة مدرسة أهل البيت عليهم السلام واضح ولكن نشره بهذا الشكل على النت غريب.. فهو منشور في كل مكان بهذا الشكل المشوه من الفوضى وعدم ترتيب الصفحات... صحيح أن المسألة هامشية لكنها لا تخلو من دلالة سلبية. فإن كان ولا بد من طبع هذا الكتيب على شكل سؤال في الأصل ونشره فلا بد أن يكون ذلك بالطريقة الصحيحة في الحد الأدنى.
الانفتاح والانسداد من العناوين في الكتب الاصولية المتأخرة عن زمان الميرزا القمي مؤلف قوانين الأصول ت1231 هـ ومن ثم جاء في كتب الشيخ الانصاري في بحث أدلة حجية الخبر الواحد.
والحديث كله يدور حول العلم بالأحكام الشرعية الفرعية في عصر الغيبة أي عصر غيبة المعصوم عليه السلام تحديدا.
هناك خلاف بين الأصوليين والأخباريين في مدرسة أهل البيت عليهم السلام حول المراد تحديدا من اصطلاحي الانفتاح والانسداد فالانفتاح عند المعتقدين به حقيقي وأن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية في زمان الغيبة مفتوح تماما كما كان مفتوحا في زمان حضورالمعصومين عليهم السلام. وبشكل عام فإن الأخباريين وبعض الأصوليين كالسيد المرتضى علم الهدى ت 438 هـ يقولون بالانفتاح الحقيقي.
وهناك اصطلاح آخر قريب منه هو الانفتاح الحكمي والمراد من الانفتاح الحكمي هو أن طرق العلم بأكثر الاحكام مسدود لكن توجد هناك طرق ظنية معتبرة بدليل خاص أو قام دليل قطعي على حجيتها مثل خبر الثقة والاجماع ويعبر عنها بالطرق العلمية والظن الخاص وأكثر الأصوليين يقولون بالانفتاح الحكمي.
أتناول لكم هنا المصطلحات التالية بالتوضيح: العلم: العلم الوجداني بالأحكام الشرعية. العلمي: هو العلم التعبدي الناشئ عن أدلة ظنية خاصة قام على حجيتها دليل قطعي. انسداد العلم: اصطلاح أصولي أساسي يبنى ويترتب عليه منظومة معرفية محددة ويعني أن باب العلم إلى معرفة الأحكام الشرعية على نحو العلم أو العلمي مغلق في الأحكام الشرعية غير الضرورية. ولا سبيل إليه وبالتالي لا بد من آليات معينة لمعرفة التكليف. ويسمى القائل بهذا المبنى الأصولي انسداديا. ويطلق اصطلاح انسداد باب العلم على عدم إمكانية تحصيل اليقين في أكثر الأحكام الشرعية في عصر الغيبة. ومشهور الاصوليين يعتقدون بانسداد باب العلم. وينقسمون عمليا إلى قسمين: قسم يعتقد بانسداد باب العلم والعلمي (الظن الخاص) انسدادا حقيقيا.
وقسم آخر يشمل اكثر العلماء المتأخرين يعتبر أن باب العلم مسدود ولكن باب العلمي مفتوح (انفتاح حكمي).
ودليل الانسداد يستدل به على حجية قواعد أصولية أخرى من قبيل "مطلق الظن" و"خبر الواحد" و"حجية قول اللغوي" وحجية الاستصحاب...الخ. وهذا الدليل أعني دليل الانسداد له صياغات عديدة مضمونها واحد وشكلها يختلف في تعداد المقدمات في تاريخ علم الأصول ويعتمد على مجموعة من المبادئ أبرزها مبدأ انسداد باب العلم بالأحكام الشرعية.
انفتاح باب العلم مقابل انفتاح باب العلمي بمعنى أن الطرق القطعية للوصول إلى الاحكام الشرعية الواقعية. معنى انفتاح باب العلم: يعني أن باب العلم والعلمي بالأحكام الشرعية مفتوح وليس مسدودا ويسمى القائل به انفتاحيا ويكون الانفتاحي هو الذي تمّت عنده حجية الروايات سندا ودلالة. وهذا فيه ما فيه.
موقف القائل بالانسداد (الانسدادي) من الانفتاحي: من يبني على انسداد باب العلم والعلمي يرى انّ الانفتاحي مخطئ في انفتاحه وعليه يكون الرجوع اليه يكون رجوعا للجاهل.
المجتهد: هو الذي يوظف علم الأصول كمنطق للفقه من أجل استنباط الحكم الشرعي.
الاخباري: هو الذي يرفض علم الأصول بما فيه دور العقل والإجماع في الاستنباط.
العلامة الحلي: الحسن بن يوسف بن مُطهّر (648 ـ 726 هـ)، فقيه ومتكلم شيعي. من أشهر مؤلفاته: كشف المراد، ونهج الحق وكشف الصدق، والباب الحادي عشر، وخلاصة الأقوال، والجوهر النضيد. وهو أول من لقب بآية الله؛ وذلك لفضله وعلمه الكثير. مناظرته الشهيرة أدت إلى تشيع السلطان محمد خدا بنده المغولي، وكان سبباً لنشر المذهب الشيعي في إيران.
الفوائد المدنية: كتاب ألفه محمد أمين الاسترابادي توفي في النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري (ت1023/ 1033/ 1036هـ) وهو اخباري عاش مدة في المدينة المنورة ومكة المكرمة وكتب هذا الكتاب الذي يعده الاخباريون من أعمدة كتبهم. قاد اتّجاها متطرّفا في إنكار العقل وشجبه داخل نطاق الفكر الإمامي وأسس لحركة من علمائنا اتّخذوا اسم «الأخباريّين والمحدّثين» ، وقاوموا دور العقل في مختلف الميادين، ودعوا إلى الاقتصار على البيان الشرعي فقط؛ بزعم أن العقل عرضة للخطإ، وتأريخ الفكر العقلي زاخر بالأخطاء، فلا يصلح لكي يستعمل أداةَ إثباتٍ في أيّ مجالٍ من المجالات الدينية. والأخباريون هم الجماعة نفسها التي شنّت حملةً ضدّ الاجتهاد. (المعالم الجديدة للأصول، محمد باقر الصدر)
رأي الشهيد الصدر: الحركة الاخبارية متمثلة بالاسترابادي تسببت بصدمة لعلم الاصول عارضت نموه وعرضته لحملة شديدة واستفحل أمرها بعده وخاصة في أواخر القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الهجريين. ويرجع الصدر الحملة إلى بواعث نفسيه ساعدت نسبيا على نجاح مقاومتهم لعلم الأصول: منها: توهم ربط الاستنباط بعلم الأصول يؤدي إلى تقليل أهمية النصوص الشرعية والابتعاد عنها. ومنها: سبق السنة تاريخيا إلى البحث الأصولي والتصنيف الموسع فيه مما أدى إلى توهمهم بأن علم الأصول علم نتاج للمذهب السني. ومنها: أن ابن الجنيد وهو من رواد الاجتهاد وعلم الأصول عند الشيعة كان يقول بالقياس السني. ومنها: تسرب اصطلاحات علم الأصول السني إلى علم الأصول الشيعي كما في اصطلاح الاجتهاد. ولكن مع الغفلة أو التجاهل لتغير أو تطوير مدلولها عند الشيعة. وهكذا مع باقي الاصطلاحات العامة السنية الأخرى. ومنها: الدور الذي يلعبه العقل في علم الأصول مع تطرفهم في معاداة العقل. ومنها: حداثة علم الأصول عند الشيعة مقارنة مع السنة. ومنها: مغالطة الاسترابادي الذي زعم أن فقهاء الإمامية حتى الشيخ الصدوق كانوا أخباريين. ثم انحرف الاصوليون عنهم. ويوظف كلاما للعلامة الحلي للاستدلال على سبق الاتجاه الاخباري تاريخيا. وهو ما يرفضه الصدر قائلا إن العلامة يشير بكلمة الاخباريين في حديثه إلى مرحلة من مراحل الفكر الفقهي لا إلى حركة ذات اتجاه محدد في الاستنباط. لأن فقهاء الشيعة في العصور الأولى علماء اخباريون يمثلون المرحلة البسيطة من التفكير الفقهي والذين وصفهم الشيخ الطوسي في كتابه المبسوط بأنهم يقتصرون في بحوثهم الفقهية على أصول المسائل وينصرفون عن التفريع والتوسع في التطبيق. في مقابل الفقهاء الأصوليون الذين يفكرون بذهنية أصولية ويمارسون التفريع الفقهي على نطاق واسع وهذا يعني أن الاخبارية القديمة تعبر عن مستوى من مستويات التفكير الفقهي لا عن مذهب من مذاهبه.
رأي الشيخ يوسف البحراني في كتاب الحدائق يعترف البحراني وهو فقيه جليل بأن الاسترابادي هو أول من جعل الاخبارية مذهبا وأوجد الاختلاف في صفوف العلماء على أساس ذلك. في كتابه الشهير سابق الذكر أي الحدائق وفي كتابه الآخر الدرر النجفية ما مضمونه: لم يرتفع صيت هذا الخلاف (بين المجتهدين والاخباريين) إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية، فإنه قد جرد لسان التشنيع على الأصحاب وأسهب في ذلك أي إسهاب، وأكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب. وهو وإن أصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلا أنها لا تخرج عما ذكرنا من سائر الاختلافات ودخولها فيما ذكرنا من التوجيهات. وكان الأنسب بمثله حملهم على محامل السداد والرشاد إن لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد، فإنهم (رضوان الله عليهم) لم يألوا جهدا في إقامة الدين واحياء سنة سيد المرسلين، ولا سيما آية الله (العلامة) الذي قد أكثر من الطعن عليه والملامة،... قد صار له من اليد العليا عليه وعلى غيره من علماء الفرقة الناجية ما يستحق به الثناء الجميل ومزيد التعظيم والتبجيل، لا الذم والنسبة إلى تخريب الدين كما اجترأ به قلمه عليه (قدس سره) وعلى غيره من المجتهدين.
للمطالعة:
الحركة الأخبارية والمذهب الحسي: ... نلاحظ بوضوحٍ اتّجاهاً حسّياً في أفكار المحدّث الاسترابادي يميل به إلى المذهب الحسّي في نظرية المعرفة القائل : بأنّ الحسّ هو أساس المعرفة ، ولأجل ذلك يمكننا أن نعتبر الحركة الأخبارية في الفكر العلمي الإسلامي أحد المسارب التي تسرَّب منها الاتّجاه الحسّي إلى تراثنا الفكري. وقد سبقت الأخبارية ـ بما تمثّل من اتّجاهٍ حسّيٍّ ـ التيار الفلسفي الحسّي الذي نشأ في الفلسفة الاوروبية على يد «جون لوك» المتوفّى سنة (1704 م) ، و «دافيد هيوم» المتوفّى سنة (1776 م) ، فقد كانت وفاة الاسترابادي قبل وفاة «جون لوك» بمائة سنةٍ تقريباً ، ونستطيع أن نعتبره معاصراً ل «فرنسيس بيكون» المتوفّى سنة (1626 م) ، الذي مهّد للتيار الحسّي في الفلسفة الاوروبية. وعلى أيِّ حالٍ فهناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية والمذاهب الحسّية والتجريبية في الفلسفة الاوروبية ، فقد شنّت جميعاً حملةً كبيرةً ضدّ العقل ، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدّها من الحسّ. وقد أدّت حركة المحدّث الاسترابادي ضدّ المعرفة العقلية المنفصلة عن الحسّ إلى نفس النتائج التي سجّلتها الفلسفات الحسّية في تأريخ الفكر الاروبي ، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوّةً ـ بحكم اتّجاهها الخاطئ ـ إلى معارضة كلّ الأدلّة العقلية التي يستدلّ بها المؤمنون على وجود الله سبحانه ؛ لأنّها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس. فنحن نجد مثلاً محدّثاً ـ كالسيّد نعمة الله الجزائري ـ يطعن في تلك الأدلّة بكلّ صراحةٍ وفقاً لاتّجاهه الأخباري ، كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه الدرر النجفية، ولكنّ ذلك لم يؤدِّ بالتفكير الأخباري الى الإلحاد كما أدّى بالفلسفات الحسّية الاوروبية ؛ لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على نشوء كلٍّ منهما ، فإنّ الاتّجاهات الحسّية والتجريبية في نظرية المعرفة قد تكوّنت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهمّيتها ، فكان لديها الاستعداد لنفي كلّ معرفةٍ عقلية منفصلةٍ عن الحسّ. وأمّا الحركة الأخبارية فكانت ذات دوافع دينية ، وقد اتّهمت العقل لحساب الشرع ، لا لحساب التجربة ، فلم يكن من الممكن أن تؤدّي مقاومتها للعقل إلى إنكار الشريعة والدين. ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن ـ في رأي كثيرٍ من ناقديها ـ تناقضاً ؛ لأنّها شجبت العقل من ناحيةٍ لكي تُخلِي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي ، وظلّت من ناحيةٍ اخرى متمسّكةً به لإثبات عقائدها الدينية ؛ لأنّ إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي ، بل يجب أن يكون عن طريق العقل.(المصدر السابق)