كان لثراء التجربة الصوفية في الشعر العربي ونضجها، وخصوبة القضايا الإنسانية التي تطرقها أثر كبير في جذب الشعراء العرب إليها. ومع أن التصوف تيار كبير عام، فإن لكل واحد من الشعراء تصوفه الخاص به، تحدده أسباب متصلة بحياة الشاعر واتجاهه الكبير في الشعر، فتصوف محمد الفيتوري حزن عميق يشوبه الإخفاق العاطفي والإحساس بالغربة. ربما كانت التجربة ذات طابع خاص يرتد إلى النشأة الأولى للشاعر، خصوصاً إذا عرفنا أن والد الفيتوري كان من رجال الطرق الصوفية "ومنذ طفولته المبكرة كانت ترتعد في آذانه أصوات طبول ودفوف، وترتعش أمام عينيه أجساد بشرية ترقص رقصات متناغمة. وبعد أن أفرغ الشاعر ما في نفسه تجاه إفريقيا وقضاياها، وجد الشاعر في نفسه معينا آخر لا يكاد ينضب، إنه المعين الصوفي.
يقوم الباحث عايدي علي جمعة في هذا الكتاب بعرضٍ شيِّق لموضوعات ووسائل شعر واحد من أهم شعراء العرب في العصر الحديث وهو الشاعر محمد الفيتوري، وذلك عبر ثمانية فصول ثريّة الشواهد ودقيقة التحليل، اهتمت الثلاثة الأولى منها بموضوعات شعر الفيتوري، وهي "التصوُّف" و"الالتزام والثورية" و"المرأة"، في حين تناولت الخمسة الفصول الأخرى الأدوات الفنية التي يتوسّل بها الشاعر في تحقيق رؤيته الشعريّة، وهي "اللغة" و"الصورة الفنية" و"توظيف التراث والأسطورة" و"البناء الدراميّ" و"الموسيقا الشعريّة". ويستند الباحث في هذا الكتاب إلى مراجع كثيرة ومتنوعة في التحليل الشعريّ مما أثرى الدراسة وأمتع القارىء.