هذا الكتاب -ضمن "سلسلة ترجمان-" يقدّم نظرةً اجتماعيةً عامةً بشأن شبكة معقدة من العلاقات التي تشكّل معظم تجربتنا في العمل والحياة، وهي تجربة تُفلت عادةً من أيّ دراسة نقدية. وتدرس نيغري وقت العمل في الماضي والحاضر، مستكشفةً التحول الاقتصادي والانقسام الجندري في العمل، متسائلةً عن المصادر التاريخية والثقافية المتعلقة بالسياسة العامة والأعمال لممارسات وقت العمل الراهنة.
الوقت المسلّع
تشمل الموضوعات المعالجة في الكتاب تقليص وقت العمل في الولايات المتحدة، ونظام عمل 40 ساعةً في الأسبوع الذي أُقرّ في عام 1938، والاتجاهات الحديثة في تحديد ساعات العمل السنوية والأسبوعية، وساعات العمل الإضافية، والعمل بدوام جزئي، والتوظيف الموقّت، ودمج وقتَي العمل والعائلة، إضافةً إلى مقارنات دولية في هذه المسائل.
يتألف الكتاب من ستة فصول. أولها، "من الحقل إلى المصنع وما بعده"، وهو يدرس روتين العمل في مجتمع الإنسان الصياد، للتفكير نقديًا في وقت العمل وأحكام الضرورة عند المستوى الأساسي الأدنى. ويمثِّل التحول من الزمن الكنسيّ إلى زمن الساعة في أوروبا القرن الرابع عشر نقطة بداية لدراسة الوقت المُسلَّع في الرأسمالية الصناعية. وفي هذا السياق تقول المؤلفة: "على الرغم من استمرار الإحساس بالوقت الصناعي الذي توجّهه الساعة وشيوعه حتى خارج المعامل، فإننا نعيش حاليًا في مجتمع خدمات يجري فيه معظم العمل خارج المعامل. وربما كانت تجربتنا الفردية للزمن متغايرة بما يكفي بسبب التمايزات المهنية والتنظيمية التي لا تسمح بوجود إحساس زمني جمعي واحد، أبعد من الساعة الكونيّة. وفي بعض المهن، يسود إحساس بالزمن الذي توجّهه مهمة محددة". ويتناول هذا الفصل الزمن الكنسيّ القروسطي وزمن الساعة الحديث، والزمن المُسَلَّع، وتنظيم الوقت الصناعي، وتنظيم وقت العمل في القرن الحادي والعشرين، والزمن المُجَنْدَر.
نضال عمالي
يستعيد الفصل الثاني، "خفض وقت العمل في الولايات المتحدة"، نضال العمال والمُصلِحين الاجتماعيين وجهودهم التشريعية التي أدّت أخيرًا إلى تخفيض أسبوع العمل القانوني في الولايات المتحدة إلى 40 ساعةً. وهذا التاريخ لا يجد من يقدره حقّ قدره على نطاق واسع، "بل إنّ ثمة من يميل إلى افتراض أنّ 40 ساعةً هي زمن طبيعي لأسبوع العمل. والأمر الذي يجهله كثيرون هو أنّ أسبوع العمل 40 ساعةً هو حصيلة جهد مكثف كاد ينجح، لكنه فشل، في جَعْلِ أسبوع العمل 30 ساعةً بغية إيجاد فرص عمل عقب ارتفاع معدل البطالة بعد أن طالت فترة الكساد الكبير". ويعالج هذا الفصل المواطَنة ووقت الفراغ والتعليم والصحة، والتشارك في العمل والعمل العادل، وتجربتَي الثلاثين ساعة.
وتتناول نيغري في الفصل الثالث، "الاتجاهات الحالية"، ساعات العمل السنوية، والزيادات الحاصلة في العقود الأخيرة في العمالة بدوام جزئي والعمالة الموقّتة والعمالة بعقد. وهذا العمل غير المعياري حافل بالتناقضات من حيث إنه يمكن أن يكون مصدرًا للمرونة وللتحكم في الوقت بالنسبة إلى العمال، لكنّ الأجور المنخفضة والمزايا الشحيحة، إنْ وُجدت، تقف إزاء تأثير التحكم المذكور، كما لا يمكن القول إنّ كل العمال راضين عن ساعات عملهم.
في أميركا وخارجها
في الفصل الرابع، "العمل - الأسرة، العمل – الحياة"، تعالج المؤلفة عدة عناوين، هي: "من الاقتصاد القائم على الأسرة إلى اقتصاد استهلاك الأسرة"، و"مشاركة القوة العاملة النسائية"، و"بنية الأسرة وساعات العمالة"، و"العمل المنزلي ورعاية الأطفال ووقت الفراغ"، و"العمل – الأسرة"، و"أساليب التكيُّف الخصوصية"، و"مبادرات تتعلق بمكان العمل والسياسة العامة"، و"العمل – الحياة".
تقول نيغري: "يبتكر العمال وسائل تكيّف شخصية من خلال تعديل برامج العمل قدر استطاعتهم، والاعتماد على أفراد أسرهم وأصدقائهم، وتأمين رعاية الأطفال لدى الجهات التي توفّر هذه الخدمة. وتتميز المؤسسات التي تراعي متطلبات الأسرة، عادةً، بوجود مجموعة متنوعة مرنة غير رسمية من ترتيبات العمل، على الرغم من أنّ هذه الترتيبات غالبًا ما تكون غير كافية أو أنّ العمال يشاركون فيها على مضض خشية ردات فعل سلبية".
تتناول نيغري في الفصل الخامس، "وقت العمل خارج الولايات المتحدة"، السياسة الأوروبية ضمن أنظمة وقت العمل الأوروبية عمومًا وتقارن أسابيع العمل القصيرة لتلك الأنظمة بأسابيع العمل الطويلة في الدول النامية، ومسألة ساعات العمل في الدول الصناعية، ومسألة تنظيم ساعات العمل في أوروبا، وعمالة النساء بدوام جزئي في أوروبا، والسياسات الأُسرية، وإستراتيجيات ساعات العمل الخاصة بالأزواج الأوروبيين، وساعات العمل في البلدان الانتقالية والنامية، وساعات العمل المُفضَّلة.
اقتصاد جديد
في الفصل السادس، وهو الفصل الأخير، "اقتصاد سياسي جديد لوقت العمل"، تستشرف المؤلفة المستقبل ناظرةً في الجبهات الإلكترونية لوقت العمل والإستراتيجيات المتناقضة الهادفة إلى جعل وقت العمل يلائم مصالح العاملين وأصحاب العمل. وتجد نيغري نفسها في صفّ التفكير النقدي الجريء في وقت العمل على جبهات متعددة: نموّ الأعمال الحالي المتباطئ، وتكامل العمل والحياة، والاستدامة البيئية الطويلة الأجل. أمّا أنواع الوقود والتقنيات البديلة والممارسات الاستهلاكية الصديقة للبيئة، فتشكّل مكونات أساسيةً لاقتصاد جديد صديق للبيئة.
وفي الاستنتاجات، تقول نيغري: "وقت العمل هو بنية مجتمعية تنظيمية أساسية، والوقت هو مورد نشترك فيه جميعًا. لكنّ موقعنا في المجتمع هو ما يحدّد، إلى حدّ كبير، ما نفعله بوقتنا ومدى شعورنا بأنّ لدينا ما يكفي منه وأنّ بإمكاننا التحكم به. توجِد الرأسماليةُ فروقات طبقيةً وأخرى عبر الشعوب وداخل الشعوب، وهي تقوي عدم المساواة الجندرية والعرقية والإثنية. ويجري التعبير عن حالات عدم المساواة تلك، جزئيًا، من خلال توزيع وقت العمل والتحكم به".
تاريخ ساعات العمل في أنظمة العمل في الولايات المتحدة الأمريكية من منظور جندري نسوي، وبضع شواهد أوسع جغرافيًا وزمانيًا وهذه أبرز الاقتباسات بتصرف محدود لحذف كلمات غير ضرورية
الصيادون وجامعو الثمار فقراء بمعايير العصر، لكن ساهلينز رأى فيه وفرة مادية، ففي عالم لا مورد فيه خارج الحاجات الضرورية من طعام وماء تسهل تلبية الحاجات، ومن اليسير الحصول على المنتوجات من الحجر والعظام والخشب والجلد، وهي متوافرة بكثرة، ويشارك فيها الجميع، ولم تكن حياة البداوة المترحلة تشجع على اقتناء السلع: لصعوبة نقلها، وهكذا يصبح مفهوم الندرة تركيبة برجوازية
مبرهن بأن الصيادين وجامعي الثمار يعملون أقل مما نعمل؛ وأن حياتهم لم تكن كدحًا مستمرًا، وكان لديهم كثير من وقت الفراغ، أما وقت النوم في خلال النهار للشخص في العام، فأعلى مما هو عليه في أي أحوال مجتمعية أخرى، وتفيد أدلة دراسة ماكارثي وماك آرثر، أن متوسط الوقت اليومي للحصول على الطعام (بما فيه من إصلاح السلاع وإلى التحضير) بين 4 و5 ساعات، ولم يكن ذلك المجتمع يبالغ في العمل أو الاستفادة من الموارد المتاحة
في منطقة بوتسوانا حیث عاش الـ كونغ بوشمان لمئة عام على الأقل، كان يوم العمل نحو ست ساعات، ويعملون يومين ونصف تقريبًا في الأسبوع، أي أن أسبوع العمل هناك كان 15 ساعة تقريبًا، أو بمعدل ساعتين وتسع دقائق في اليوم
كان رجال هالي في ريف باباوا غينيا الجديدة يعملون ساعتين ونصف تقريبًا في اليوم ونساؤهم 4 ساعات ونصف، وفاقت ساعات النساء الرجال لأنهن یعشن مع أطفالهن منفصلات عن أزواجهن وکن مسؤولات عن إعالتهم، كانت النساء تعملن في الزراعة وتربية الخنازير؛ وكان الرجال يعملون في زراعة البطاطا الحلوة إنّما لإعالة أنفسهم فحسب
أظهرت مراجعة 15 دراسة حول اقتصاديات الأسر الزراعية بين عامَي 1939 و1978 أن مجموع عدد ساعات عمل الرجال الداخل والخارج تراوح بين 3.9 ساعات بين الكايابو و11.1 ساعة بين الموهيرو، أمّا مجموع عدد ساعات عمل النساء فتراوح بين 4.9 ساعات بين الكايابو و13.65 ساعة بين الميديريس
يبيع العمال قدرتهم على العمل مقابل الأجر، وبما أنّ العمل يجري في الزمن، فإنّهم يبيعون وقتهم أيضًا، فيصبح الوقت والعمل خلال مدة التعاقد تحت ملكية صاحب العمل، ويدفع ذلك أصحاب العمل إلى السعي لملء كل وقتٍ اشترَوه بعملٍ منتج، تحقيقًا لأقصى قيمة ممكنة مقابل ما دفعوه من أجور
في 1930، كان شباب فيلادلفيا يعملون 14 ساعة يوميًا، ومع تصاعد الضغط العمالي، بدأت الحكومة تتدخّل لتقليص ساعات العمل؛ فاعتمدت بعض أحواض بناء السفن يومًا من 10 ساعات عام 1834، ثم أقرّت فيلادلفيا عام 1835 أول قانون بلدي يحدّ يوم العمل بـ10 ساعات لعمال المدينة، وأصدر الرئيس مارتن فان بورين عام 1840 أمرًا شاملًا يمنح جميع عمال الحكومة اليدويين يوم عمل من 10 ساعات
اجتمع 60 مندوب من نقابات وجمعيات لحد العمل اليومي لـ8 ساعات 1866 في بالتيمور وشكلت اتحاد العمال الوطني، في نفس العام أقرّت بالتيمور أول قانون محلي شامل 8 ساعات، وتبعتها مدن وولايات أخرى، وأقر الكونغرس 1868 قانون 8 ساعات لموظفي الحكومة الفدرالية، لكن ضعف آليات التطبيق والثغرات القانونية جعلت العمل الفعلي 1883 يتجاوز 10 ساعات 6 أيام أسبوعيا، وتلاعب أصحاب مصانع النسيج لإضافة نصف ساعة ليوم العمل المتفق عليه
ظهر العمل المرن لتخفيف تعارض العمل والأسرة، صدر 1993 قانون الإجازة الأسرية والمرضية، كحل مؤقت لمشكلة بنيوية؛ إذ يستفيد منها عدد قليل من العمال، والنساء أكثر من الرجال، بما يكشف استمرار الغبن الجندري، كما أن المرونة لا تتحدى معيار الأربعين ساعة، وتُعامل صعوبة الالتزام بوصفها مشكلة فردية لا اجتماعية، وحتى قانون الإجازة الأسرية والمرضية يظل محدودا لأنه يتيح إجازة غير مدفوعة ولأوضاع عرضية فقط
كشفت دراستُنا لوقت العمل في أنحاء العالم توجهات وأنماطًا متنوعة، ونلاحظ تقلص وقت العمل عمومًا حيث ترتفع الإنتاجية ويرتفع الدخل، كما في البلدان الصناعية
تقصير الدوام الكامل يتيح وقتًا أوسع للأسرة والراحة والتعلم والتواصل الاجتماعي. كما أن طول ساعات العمل والدراسة يقدّم اقتصاد السوق على سائر مجالات الحياة، فتقصير العمل يعيد توزيع الزمن خارج السوق
المفارقة أن المحافظين الذين يدافعون عن السوق ويتحسرون على تراجع القيم الأسرية يغفلون أحيانًا كيف تقوّض قيم السوق الأسرة، فالتوسع في الأسواق المنفلتة يحمّل العلاقات الأسرية أعباءً زمنية وعاطفية وجغرافية تتجاوز طاقتها. لذا ينبغي مراجعة دوافع السوق مع الحفاظ على مكتسبات المساواة الجندرية وتحسين أوضاع العاملين الفقراء والعاملين بالحد الأدنى، وهم في غالبيتهم من النساء، عبر تحسين الأجور والمزايا وشروط العمل
نظام زمن الساعة الصناعي لا يلائم العمل المعرفي والإبداعي ولا الرعاية الأسرية غير المأجورة، رغم استمرار مبادئ التايلورية بالتقنيات الإلكترونية الرقابية، وغياب المقاومة النقابية لا يعني رضا العمال، بل قد يعني ضعفهم وصمتهم وانتظارهم تدخل الدولة
[ ملاحظتين ]
نموذج على ضعف سرد الكتاب: "تستحق اليابان نقاشًا خاصًا بها لأنها تتبنّى تعريفا متميزًا للعمالة بدوام جزئي. تتنوع تعاريف هذه العمالة بحسب مصدر المسح، لكن هناك، عمومًا، معدل عالٍ نسبيًا من العمالة بدوام جزئي في اليابان" بدون ما يقول لك أبدًا ماهو هذا التعريف المميز وليه صار مميز، مثال آخر على ضعف السرد: "المفارقة أن هذه العمالة في اليابان لا تتعلق بعدد ساعات العمل التي يسجلها العامل أسبوعيا، فمعظم العمال بدوام جزئي يعملون ساعات أقل، لكن قلة منهم يعملون العدد نفسه من ساعات العمل التي يسجلها العمال بدوام كامل، ويعود السبب إلى أن صاحب العمل يصنّف العامل في خانة الدوام الجزئي حتى ولو كان يعمل العدد نفسه من ساعات الدوام الکامل" وتعتقد المؤلفة بأنها ذكرت السبب
النظر للعالم كله كصراع جندري، أكاد أكره مفهوم الجندر كله، تقول: تستفيد الأمهات من إجازات والدية طويلة، تضعف ارتباط النساء بسوق العمل وتفاقم الغبن الجندري في المنزل والعمل، ولم تتمكن أي دولة درسها غورنيك ومييرز من تحقيق مساواة جندرية في الاستفادة من الإجازة؛ فبينما ترتفع نسبة الأمهات المستفيدات منها، يحصل الآباء على أقل من 10% من مجموع أيام الإجازة الوالدية المدفوعة في معظم الدول الأوروبية. رغم مساوات السياسات السويدية جندريا، يواجه الآباء والأمهات السويديون تضاربا بين العمل والأسرة أكثر من هولندا والمملكة المتحدة حيث تعمل النساء ساعات أقصر وصعوبة أقل في التوفيق بين العمل والأسرة لكن يحصلن على أجور أقل ويتمتعن باستقلالية مالية أضعف، وفي السويد تشارك النساء في العمل المأجور بمساواة مع الرجال ويتمتعن باستقلالية مالية أكبر لكن يواجهن صعوبة في التوفيق بين العمل والأسرة
موضوع الكتاب غاية في الأهمية، وهو موضوع قد تكون أدركته بالفطرة لكنك ينقصك المعلومات التي تؤكد ما ببالك، وقت العمل ليس شيئا طبيعيا كتاب لطيف بالذات في فصوله الأولى لكن ترجمته مش اسلس حاجة، وطبعا اغلب المعلومات فيه عن الوضع في أمريكا وأوروبا فدا بيخلي كتير منها مش عملي بالنسبالنا، لكنه لا زال مفيد في إنك تاخد فكرة عن كيف يحاول العالم حل أزمة وقت العمل والكتاب مليان إحصائيات ودراسات لمحبي الأرقام
المقدرة على تفكيك مفهوم الزمن خاصة في عصر "الحداثة السائلة" كما أبدع تسميتها زيفان زفايغ، وإسقاط مفاتيحها المعرفية على المشاكل التي تواجه الفرد في مساقات الحياة العامة والخاصة، بدءًا بالتحديات التي يواجهها كفرد في منظومة المجتمع وفرد في منظومة حياته الشخصية.
قراءة هذا البحث يمنح معرفة شديدة الأهمية للربط بين تأريخ بداية خط المسير لمفهوم وقت العمل ومنتجة الأفراد باعتبارهم "أجهزة وظيفية" لمصلحة سوق العمل، والتحولات الواقعة زمنيًا لتبعيات الثورة الناعمة الناجمة بعد الحرب العالمية الثانية في إشراك النساء -الامريكيات خاصة- في مواقع العمل وتبعياتها اللاحقة.