منذ أكثر من قرنين حاولت بحوث فكرية متفرقة، صادقة أو دعائية، أن تقنعنا بغلطات الأديان السماوية وأخطائها، بيد أن تلك البحوث قد فشلت، وتلك الدعاية قد تآكلت؛ فالإلحاد المعاصر يعرف نهاية مدوّية. لم يُقتل الإلحاد، بل على العكس من ذلك فإنّ العالم المعاصر قد مدّه ومازال يمدّه بكل الفرص ليدافع عن قضيته وليعطيَ الإنسانية معانيَ جديدة للحياة... وإذا كان الإلحاد قد مات، فما ذلك إلّا لأنه لم يُثبت أنّ الإنسان من دون إلهٍ هو أقل بؤساً من الإنسان المؤمن بإله. ومن المرجّح أن يحمل معه في اندحاره العدمية، هذا المنتج الوضيع من الثقافة الأوروبية في القرنين الأخيرين.
كتيب يجمع عدة مقالات متفرقة للفيلسوف المسيحي فيليب نيمو، وأسلوبه في المقالات مزيج من التحليل والوعظ والتبشير بالمسيحية، وهي الديانة "الوحيدة المتضمنة للحقيقة الصالحة أكثر من غيرها للحياة الإنسانية" كما يقول في المقدمة، وهذه المقالات المقتضبة كتبت للدفاع عنها ونقد خصومها. وهو يعتقد أن الأخلاق التوراتية قد جلبت الحرية الأصلية التي تفرعت عنها كل الحريات الأخرى، وأن نزعة الخطيئة المسيحية أدت دوراً مفتاحياً في نشأة الليبرالية الفكرية، وأن الأخلاق المسيحية مهدت لنشأة الليبرالية الاقتصادية. ثم ينتقد أشكالاً محددة من الليبراليات الحديثة يرى أنها توهم الناظر أن الليبرالية والمسيحية متعارضتان، فهو يسعى لإعادة أسس الفضيلة والخير والحق والجمال للمسيحية، ويعزو لها الخصوبة الفكرية والفنية إبان العصر الوسيط، بل يرى أن للمسيحية دوراً في التمهيد لبناء أوروبا وولادة العالم الحديث. وقد خصص أحد الفصول للحجاج عن مسيحية أوروبا. ويبدو لي أن الفصل الأخير هو أهم فصول الكتاب، ويتحدث فيه عن نهاية العدمية. ويختم بالقول:
"قد يكون إلحاد القرنين الأخيرين وعدميتهما مجرد حلقة بلا مستقبل. لقد ولدا نتيجة سوء فهم".
هذا الكتاب عند قراءة عنوانه يتصور القارئ أنه سيكون مليئا بنقد الإلحاد أو التيارات الفلسفية المعاصرة. لكن ما حصل هنا أَن الكتاب عبارة عن مواعظ تقول بأن المسيحية فيها خلاص الناس وبناء المجتمعات. ومحاولته في التوفيق بين اللبرالية والمسيحية محاولة ضعيفة جدا لأن مبادئ الليبرالية تتصادم مع المسيحية بقوة. بل أن الليبرالية خرجت من رحم مسيحي لتعادي المسيحية.
كنت أود معرفة كيفية موت الإلحاد بوجهة النظر الغربية المسيحية وقراءة الحجج العقلية المحاربة له .. ولكن للأسف لم أجد شيء من ذلك .. وجدت مواعظ تبشيرية وكيف أن المسيحية هي أساس القيم الحاكمة اليوم في العلم والديمقراطية وحقوق الإنسان !! عنوان الكتاب خادع للأسف
يبدو انطلاقا من عنوان الكتاب و حجمه الصغير ان مضمونه سيتمحور حول طرح، مقتضب، لتراجع مد الالحاد في الحقبة المعاصرة. لكن يتضح بعد تقديم المترجمين وبعد الفصول الأولى من الكتاب انه ليس اكثر من مجموعة مقالات كتبت بغموض في فترات متباعدة وتفتقر لاي نسق ناظم بينها سوى خيط رقيق حول كون الديانة المسيحية قد ساهمت، دون غيرها من الاديان، في تشكيل خارطة العالم الاخلاقية.
اقل ما يمكنني ان اقوله عن قرائتي لهذا الكتاب هو انها لم تكن تجربة مرضية بتاتا.