يعتبر المسيري أن الحلولية مدخل تحليلي مهم لفهم الفلسفات والعقائد التي تهمّش الفارق بين المتجاوز والغيبي من جهة والتجسّد والمادة من جهة أخرى، وهي عملية تحوّل تدريجي تبلغ مداها بـ "وحدة الوجود" التي تقوم بتصفية الثنائية المميزة للوجود الإنساني، وتلغي المسافة بين الخالق والمخلوق، وتختزل الإنسان في بُعد واحد. وهو المدخل الذي اعتمد عليه المسيري في نقد الحداثة الغربية التي أعلنت "موت الإله"، وادّعت أنها تتمركز حول الإنسان فيما هي في حقيقتها تتمركز حول المادة - الطبيعة، وهو ما يُمثّل التمظهر الأبرز للعلمانية الشاملة بما تحمله من فصل لكل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الدولة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، ويحوّله إلى مادة استعمالية يتمّ توظيفها لصالح الأقوى.
في هذا الكتاب، بذل المسيري جهداً كبيراً في رصد تطور الفكر الإنساني، ووجد صِيَغاً عديدةً مثّلت حالة التماهي بين الإنسان والإله وبين الإنسان والمادة، من الهرمسية القديمة، مروراً بالتصوُّف الغنوصي في التراث الإسلامي، وحتى التجلّيات الحلولية في الحداثة الغربية.
الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري، مفكر عربي إسلامي وأستاذ غير متفرغ بكلية البنات جامعة عين شمس. وُلد في دمنهور 1938 وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي (مرحلة التكوين أو البذور). التحق عام 1955 بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية وعُين معيدًا فيها عند تخرجه، وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1963 حيث حصل على درجة الماجستير عام 1964 (من جامعة كولومبيا) ثم على درجة الدكتوراه عام 1969 من جامعة رَتْجَرز Rutgers (مرحلة الجذور).
وعند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود (1983 – 1988)، كما عمل أستاذا زائرًا في أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 – 1975)، ومستشارًا ثقافيًا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 – 1979). ثم عضوا بمجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بليسبرج، بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا (مرحلة الثمر).
ومن أهم أعمال الدكتور المسيري موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد (ثمانية مجلدات) وكتاب رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية- في البذور والجذور والثمار. وللدكتور المسيري مؤلفات أخرى في موضوعات شتى من أهمها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (جزأين)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (سبعة أجزاء). كما أن له مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأمريكية مثل: الفردوس الأرضي، و الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، و الحداثة وما بعد الحداثة، و دراسات معرفية في الحداثة الغربية. والدكتور المسيري له أيضاً دراسات لغوية وأدبية من أهمها: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، و دراسات في الشعر، و في الأدب والفكر، كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية. وقد نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال
قدم الدكتور المسيري سيرته الفكرية في كتاب بعنوان رحلتي الفكرية – في البذور والجذور والثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية (2001) حيث يعطي القارئ صورة مفصلة عن كيف ولدت أفكاره وتكونت والمنهج التفسيري الذي يستخدمه، خاصة مفهوم النموذج المعرفي التفسيري. وفي نهاية "الرحلة" يعطي عرضًا لأهم أفكاره
هو كتاب في فلسفة اللغة، الأدب ومقارنة الأديان والعقائد المختلفة اسلام، مسيحية، يهودية، الغنوصية بمختلف تجلياتها و مدارسها الشرقية والغربية.. يحاول فيه المسيري الإمساك بالخيط الناظم الذي يختفي خلف هذه المواقف من الكون والإله والإنسان، وذلك بالنفاذ إلى قلب هذه الانساق المعرفية والفلسفية و تفكيكها و محاولة فهمها و تبيان مكامن تشابهها و اختلافها، قوتها و هشاشتها.. كتاب مفيد، بيد أنه يحتاج قراءات متعددة و بضاعة معرفية لا بأس بها لفهم بعض تعقيداته و تشابكاته.
بالرغم من أن موسوعة الصهيونية عمل نادر وعظيم، إلا أن كتبه الأخرى ليست سوى تكرار مفصَل لها، لا جديد فيها سوى تفصيل يشبه الانتظار. تتكرر الأفكار في سياقات مختلفة، يترقب القارئ فكرة جديدة تطل برأسها بين التكرار، لكن ذلك لا يحدث!
لا أعلم إذا كانت مشكلات الحداثة وما بعدها هي مشكلاتنا فعلا أم نحن ندور بدون وعي في فلك الفكر الغربي، نقد المسيري جيد لكن ما جدواه؟ ربما يختلف الحل المقترح عما يقدمه المفكرون الغربيون، لكنه في نهاية المطاف مستحيل.
قرأت أربعة كتب للمسيري ومعها خمس مجلدات من "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" التي أتطلع لقراءة ما تبقى منها، غير أنني لم أقرأ "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة"، قررت إسقاطه من قائمتي ومعه كل كتاب يتقاطع مع محتوى الموسوعة.
وهكذا في ليلة شتاء ليست بالقارصة، بعيدًا ألاف الأميال عن المكان الأول الذي قرأت فيه لأول مرة للمسيري، أنهي الكتاب الأخير. لم أتخيل انني لن أشعر بأي شئ، فقط خواء.
بداية، فإن تقديم الدكتور عبد القادر مرزاق للكتاب زادني نشاطا لقراءته، فالانتقادات الموجّهة من قبل صاحب المقدمة للكتابة الأكاديمية المعدة للنشر استقرت في قعر ذهني. ولقد فرحت بوجود مثل هكذا انتقادات في سياقنا العربي، الذي يبدو أنه -حاليا، على الأقل- مثقل بدراسات لا معنى لها، وبباحثين لم يعانوا مخاض الولادة لأفكارهم، وكما عبر الدكتور عبد القادر، لم يعانوا حتى وجدوا انفسهم مضطرين للكتابة.
بعد أن يتجاوز الكاتب المفردات التي ابتدأ كتابه بتعريفها، يبدو الخلل الكامن في هذا الكتاب جليا للعين وواضحا للقارئ، فالكاتب من جهة يبسط الكثير من الأمور، بل ويذكرها مرور الكرام كأنها لا تستحق بحثا أو معالجة، وهو في هذا الإطار -واعيا أو غير واع- يوجه حديثه لقارئ ذو خلفية اسلامية، متدين، بسيط في كثير من الأحيان، مؤمن، ومشبع بالأفكار المسبقة التي تتضمن في جلها تقريبا مصادرة على المطلوب. لا أقول هذا الأمر نقدا للقارئ المذكور، بل كتقريع لاذع لمؤلف فشل في تجاوز هذا المستوى.
ومن جهة أخرى، فإن الكاتب ينطلق من العديد من الفرضيات دون تسلسل واضح ودون أدنى معالجة لعناصر استنتاجاته المتسرعة، فهو ينطلق من معالجة أثر التوحيد على الارادة الحرة، لنظرية المعرفة، لبحث الانسان عن المعنى، معرجا على اشكالية القيمة، دون أن يتكرم علينا بتفسير فرضياته هذه، أيعقل أن يكتب المرحوم عن المنظومة المعرفية في ظل التوحيد بمثل هكذا اقتضاب؟ إن ما قام به المؤلف يصلح نموذجا اكاديميا للإيجاز المخل.
أما وعند معالجة الكاتب لأثر ما اسماه المنظومة الحلولية الكمونية الواحدية على الزمان، فلقد أشار -بنباهة متخلفة- الى عبثية الزمن الدائري والعود الأبدي. أود أن أؤكد بداية أن الاشكاليات المترتبة على التنوير والحداثة الغربية قد تم التطرق اليها باستفاضة من قبل مؤلفين غربيين وشرقيين -عرب أو خلافهم- أكثر اطلاعا واوسع ادراكا من المؤلف، ان انتقادي هذا، لا ينبع من تعلقي بالتنوير الاوروبي، الذي سبق وأن انتقدته عديد المرات، واهتممت كثيرا بمعالجته معالجة نقدية حقيقية، ولا ينبع كذلك من تبعية ثقافية كما يحلو لبعض مثقفينا أن يصفوا بها كل من يخالفهم افكارهم ومبادئهم، بل ينبع من حقيقة بسيطة ومباشرة، لم ارى تبسيطا أشد فظاظة مما قرأته في هذا الكتاب. أيعقل أن ينتقد أحدهم مفهوم العود الأبدي ودائرية الزمن -محيلا بالطبع على نيتشة وإن لم يكن الأخير قد استخدم هذا اللفظ حصرا- في سياق انتقاد لعدمية الفكر الاوروبي؟ ألم يقرأ صاحبنا نيتشة حقا؟ وإن كان من الممكن قطعا القول بأن افكار نيتشة قد تؤدي بالمحصلة للعدمية، فإنه من غير الممكن الافتراض أن الرجل قد أراد بها فعلا كذلك، ولو أن الدكتور المرحوم قد ربط فكرة العود الأبدي بحب القدر، ربما كان سيقدر له أن يكتب أحسن مما فعل.
واستفاض الكاتب في معالجته المبتسرة لكل ما يبدو أنه رهب الخوض فيه، فالتوحيد يؤدي حتما الى ثبات القدرة على الاختيار لدى الانسان. يأسف المرء، بعد قراءة هذين السطرين للاسابيع والأشهر التي قضاها يقرأ في مسألة الارادة الحرة والقدر، فيبدو أن الكاتب قد عالج هذه المسألة في سطرين، بلا مقدمات، وبلا تسلسل منطقي أو حتى ميتافيزيقي، وبأسلوب لن يقبله الا من اتفق مع مخرجاته سلفا.
من العيوب الأخرى التي يفيض بها الكتاب، أن جزءا لا بأس به من المعلومات والأطروحات النظرية التي يحتويها، ليست ذات فائدة بالمطلق إلا لمقاصد الكتاب ذاته، أي انها ليست ذات قيمة دافعة تشجع عقل الفرد على النشاط، ولن يجد ضالته فيها إلا من وافق المؤلف على صحتها، وهذا في حد ذاته طعن عميق في جدوى قراءة المؤلَف برمته.
كما يسترسل الكاتب في مغالطاته المنطقية، مشيرا -ولو بشكل مبطن- بأن الامبريالية والاستعمار الغربيين هما نتيجة حتمية للأفكار التي تعبر عنها ما يسميه بالحلولية، مستعينا بتسمياته الأخرى التي تبدو في مجملها بلا حدود واضحة تفسرها. بالطبع، كفلسطيني، لا أظن أنني بحاجة لابداء موقفي من الاستعمار الغربي، ولا أظن أن أحدا عانى ما عانته فلسطين من أثار هذا الاستعمار، لكن المؤلف اتسم بالسذاجة الكافية والعمى المعتم بحيث امتنع عن رؤية تاريخ البشرية منذ قيامها، والذي لم يكن يوما الا استقواء القوي على الضعيف، واستباحة الاقوى لحقوق الأضعف، لم تقم الحضارات -ولا باي شكل من الاشكال- سواء تلك التوحيدية أو خلافها، بالتعامل بانسانية مع من رأتهم ايدلوجية هذه الحضارات أعداء لها. إن ما يؤكد بشاعة آلة الحرب الغريية، ليس ما يصفه الكاتب بالخلفية الايدلوجية لهذه الآلة، بل هو غيابها. أي ان المستعمر الاوروبي لا يمارس قسوته وبطشه ظلمه متسلحا بايدلوجية اشتراكية او دينية او قومية فحسب، فهذه الايدلوجيات وإن أثرت في الحركة الاستعمارية الاوروبية بالطبع، إلا أن غيابها ما كان ليمسك بلجام هذا الاستعمار، إن المخيف حقا في الغطرسة الغربية هو كونها تنبع من عقلانية مفرطة، وليس ايدولوجية تشكل مرجعا فكريا بالمعنى التقليدي. اقصد هنا، بالمحصلة، ان الثقافات اللاغربية لم تقل عن تلك الغربية في بطشها، ولربما كان الفرق في جسامة الجرائم مرتبط فقط بالتقدم التقني العسكري لا غير -مع الاحترام لطرح المفكر الفذ وائل حلاق بخلاف ذلك.
لا أحب أن أكتب مراجعات كهذه، ولا أفرح مطلقا بأن أمقت كتابا الى هذا الحد، لكن فظاعة الاستهبال الفكري للمؤلف فاقت كل وصف، انه لا يمارس أي درجة من درجات النقد الذاتي. وختاما، أود ادراج ما أراه معبرا عن نقيصة هذا الكتاب الاساسية: إن أشد أعداء البحث الانساني الحميم عن المعنى والحقيقة هم أولئك اللذين يدعون بأنهم وجدوا أي منهما، وبأن لا أحد سيجد خلافا لما وجدوه.
كتاب ثري يحتاج قراءته مرات كثيرة وقد أفاض المرحوم المسيري في قضية وحدة الوجود المادية والروحية وتاثر كثير من الفلاسفة الغربيين بها.. ومن أهم فصول الكتاب كذلك الفصل المتعلق بالغنوصية وأثرها على كثير من الأفكار والعقئد والمذاهب قديما وحديثا .. وددت لو فصل أكثر في القبالة اليهودية وحيثياتها ورموزها ومبادئها .. رحمه الله تعالى فهو في الحقيقة علم من كبار أعلام الفكر العربي الإسلامي المعاصر ..