Jump to ratings and reviews
Rate this book

القول النفيس في التحذير من خديعة إبليس

Rate this book
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
يقول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3].
ويقول جل ذكره: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38].
ويقول سبحانه: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153].
ويقول جل وعلا: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} [الأعراف: 3].
فهذه آيات صريحة محكمة في إبطال الابتداع والاختراع في الدين، وفي إلغاء الرأي والاستحسان والاستصلاح الشهواني القائم على غير دليل من الشرع.

لم يرفع بدلالاتها كثير من رويبضة المتأخرين رأساً، وراموا هدم عرى الإيمان ودعائم الدين فتلاعبوا به أصلاً وأساً.. وتطاولوا ببنيانهم الهش الذي لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان، فأمسوا يتكلمون في دين الله بما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون، نصّبوا أنفسهم مشرعين يستحسنون ويستصلحون في دين الله ودعوته ما يهوون ويشتهون.

وكأنهم بلسان حالهم يظنون أن الله قد ترك هذا الدين لهم سداً من غير ضوابط ولا حدود ليعبثوا فيه كيف شاؤوا، بأهوائهم واستحساناتهم الفاسدة الباطلة.

مع أنه تعالى قد قال منكراً: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً} [المؤمنون: 115].
وقال عز وجل: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة: 36].
وبين أن القائل في دين الله الخائض فيه بغير علم لا يزال من الكاذبين حتى يأتي بالبرهان الصحيح على دعواه فقال: (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: 64].

وهذه ورقات كنت قد سطرتها قبل سنين، درست فيها موضوع الاستصلاح والاستحسان وبينت فساد الطريقة التي يتناوله بها أهل الأهواء. لعموم البلوى بذلك في زماننا ولحوق فئات من الناس بالمشركين ودخولهم في سبلهم من هذه الأبواب.

وقد تناولت في آخرها فتوى لطيفة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، متعلقة بهذا الباب، استللتها من مجموع فتاواه، اختصرتها وهذبتها وعلقت عليها.

أسأل الله تعالى أن يفتح بهذا الجهد المتواضع آذاناً صماً وأعيناً عميا وقلوباً غلفاً، وأن يجعل أعمالنا صالحة خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضلله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125].

أبو محمد
عاصم المقدسي

47 pages, Unknown Binding

4 people want to read

About the author

هو أبو محمد عاصم بن محمد بن طاهر البرقاوي مولداً المقدسي شهرة الحافي ثم العتيبي نسباً. ولد في قرية برقة التابعه لنابلس. أردني من أصل فلسطيني يعتبر من أبرز منظري تيار مايسمى "السلفية الجهادية". اشتهر بسبب نشره لكتاب يكفر الدولة السعودية. قامت السلطات الأردنية بسجنه مرات كثيرة بسبب آرائه. واعتبر أستاذ أبي مصعب الزرقاوي عندما جمعهما السجن.

ترك فلسطين بعد ثلاث أو أربع سنين من ولادته ورحل مع عائلته إلى الكويت حيث مكث فيها إلى أن أكمل دراسته الثانوية وفي أواخر دراسته الثانوية التزم مع الجماعات الأسلامية. ثم درس العلوم في جامعة الموصل بشمال العراق استجابة لرغبة والده، أما أمنيته هو فقد كانت دراسة الشريعة في المدينة المنورة فراسل بعض المشايخ فبعث له الشيخ ابن باز ببرقية يعده فيها بدخول الجامعة في الحجاز فقطع دراسته في العراق بعد ثلاث سنين وسافر إلى المدينة وتنقل في الحجاز وبعض المشايخ الذين أخذ عنهم بعض مفاتيح العلم ممن لم يشفوا غليله فعكف على مطالعة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه وأولاده وأحفاده من أئمة الدعوة النجدية التي تعرف إليها أول ما تعرف من نسخة قديمة للدرر السنية في مكتبة المسجد النبوي فعكف عليها وقتاً طويلاً، فكان لهذه الكتب بالتحديد أثر عظيم في توجهه بعد ذلك فكان من ثمرات هذا العكوف اول كتاباته المهمة وهو كتابه ملة إبراهيم الذي يظهر فيه واضحاً تأثره بأئمة الدعوة النجدية وكتباتهم.

وقد زكاه عدد من علماء العصر الثقاة وأثنوا على كتاباته ووجهوا الشباب إلى قراءتها وعلى رأسهم العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي والذي كانت بينه وبين المقدسي مراسلات وهاتفه بعد خروجه من السجن وحثه على الثبات. وما يزال المقدسي حتى يومنا هذا ثابتاً على دعوته إلى الله محرضا للمؤمنين.

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (100%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 of 1 review
Profile Image for Mohamed GabALLAH.
69 reviews12 followers
May 22, 2023
http://gaballah.blogspot.com/2012/12/...




مختصر
القول النفيس فى التحذير من خديعة ابليس
مصلحة الدعوة
أبو محمد المقدسى
عاصم البرقاوى
بسم الله الرحمن الرحيم

(م.ج)
الحمد لله و كفى و سلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ؛ ففى هذا الزمان الذى فتن الناس فيه بالمصطلحات الحادثة تارة و تلبيس المصطلحات الشرعية تارة أخرى.
فأحببت أن أشارك اخوانى هذه الرسالة الطيبه لتحرير مصطلح - مصلحة الدعوة - و كيف يمكن أن يتحول هذا المصطلح البراق الذى ظاهرة الرحمه أن يتحول الى اداة شر يمرر بها كل شر تحت عباءة المصلحه و المفسدة تارة و تحت مسمى مقتضى الظروف و ما شابهه من الكلمات البارقه التى تحمل الاستحسان .
و سألخص في هذه التعليقات السريعه هذه الرساله الطيبه لأخوانى عسى الله أن ينفع بها .
و أسألكم صالح الدعاء

دعاة ميكافيليون
نيقولا ميكافيلي [Niccola Macchiavelli]، إيطالي ولد سنة 1469م، وانتظم في السلك السياسي مدة أربعة عشر عاماً ثم عزل عن منصبه السياسي بعد ذلك، وانزوى في بيته الريفي، وعكف على دراسة التاريخ. فدوَّن خلاصة تجاربه السياسية ومطالعاته المختلفة في كتاب بعنوان (الأمير)، وهلك ميكافيلي عام 1527م، وخلّف ذلك الكتاب الذي يعتبره السياسيون المعاصرون أعظم هدي لهم، ويرى النقاد والباحثون أن كتابه هذا مدرسة تخرج منها والتزم بمنهجها جل الساسة في العصر الحديث. مع أنه في الحقيقة لم يأت فيه بجديد، لكن كل ما فعله أن جمع ما تفرق من تصرفات أمراء الغرب وقادتهم في القرون الوسطى ودوَّن وأظهر ما كانت تكنّه نفوسهم ووضعه بين يدي السياسيين، فهو يعرض فيه ما يعتبره قواعد عظيمة تساهم في نجاح الأمير في حكمه، وتثبت أركان عرشه دون أن يتقيد بأي اعتبار أخلاقي أو ديني إذ قد فصل السياسة عن الأخلاق تماماً .

فمن قواعده وأسسه تلك:
- سوء الظن بالرعية.
- ترك الأخلاق الفاضلة والسلوك المستقيم.
- ألا يعبأ بالمعايب سواء كانت ظلماً أو تآمراً أو خيانة أو سفك دم أو خنق حريات.
- الاتصاف بالنفاق لأنه يضمن له استمرار البقاء في السلطة.
- الغدر؛ فلا ينبغي للأمير أن يحفظ العهود إذا تعارضت مع بعض مصالحه.
- الخبث.
- البخل.
- اتخاذ واجهة من الرجال تقيه غضبة الشعب بأن يكل إليهم القيام بالواجبات التي تكرهها ولا ترضى عنها الرعية فما كان من خير أسندت أفضاله إليه وما كان من شر ألصق بهم، ولا بد أن يُرضي هذه الواجهة بأن يتساهل معهم وييسر لهم سبل الرفاهية والغنى. ولا مانع عند الأخطار والضرورات أن يلعب هو دور المنقذ لشعبه فيقوم بتبديلهم أو إقصائهم عندما يتحتم الأمر، فذلك غاية الذكاء .
ومن أهم ذلك كله عدم الاهتمام أو النظر إلى الأهداف والوسائل شريفة أو غير شريفة. لأنه مادام الأمير هو الذي يقوم بها فإنها ستصبح فضيلة. ومهما بلغت من السوء فسيبقى الناس يصفقون لها طالما أن الأمير الذي صنعها متربع على العرش.
وكل ما يتبعه الأمير من وسائل للوصول إلى الهدف فهو مشروع وإن كان في حقيقته نهاية الخسة والدناءة.
وهذا ما يُعبِّر عنه بعبارة: (الغاية تبرر الوسيلة).

صور من استخدام البعض لهذه الوسيلة
أصبحنا نسمع بفئام من الناس لا يتورّعون من سلوك أي سبيل ولو كان سبيل المجرمين التي حذر الله منها وأمرنا باجتنابها.
ولا يتحرّجون بالأخذ بأي وسيلة ولو كانت نجسه معوجة. بحجة المصلحة. مصلحة الدعوة أو مصلحة الجماعة أو مصلحة الدين... زعموا!
فلا يضر عندهم إن أصبحوا جنداً أو أعواناً وأنصاراً للطاغوت الذي أمرهم الله باجتنابه بل وبجهاده. فذلك جائز بزعمهم لمصلحة الدعوة.

ولا ضير إن أقسموا على احترام الدساتير الأرضية والقوانين الوضعية ورضوا بأن يكونوا مشرّعين وفقاً لموادها ونصوصها الطاغوتية التي أمرهم الله أن يكفروا بها ويتبرؤوا منها ومن أوليائها، فذلك جائز عندهم لمصلحة الدين!
أهم أعلم بمصلحة دين الله من الله؟؟؟

ما يستدل به أهل الاهواء فى تمرير اعتدائهم على الدين
كثيرا من الألفاظ التي يتعامل ويستدل بها كثير من الناس اليوم (كالرأي) و (الاستحسان) و (الاستصلاح) و (المصلحة المرسلة) و (مصلحة الدعوة) ونحوها. إن كانت فيما لا نص فيه من الشرع، فمعناها في واقعهم واحد متقارب، ومردها جميعها إلى الهوى، وهي على هذه الحال سبب ضلال كثير من الخلق.
يقول شيخ الإسلام وهو يتكلم في (المصالح المرسلة) (343/11): (فهذه الطريقة فيها خلاف مشهور فالفقهاء يسمونها "المصالح المرسلة). ومنهم من يسميها "الرأي" وبعضهم يقرب إليها "الاستحسان" وقريب منها "ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم" فإنّ حاصلها أنهم يجدون في القول أو العمل مصلحة في قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته).
إلى قوله: (وهذا فصل عظيم ينبغي الاهتمام به فإن من جهته حصل في الدين اضطراب عظيم وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها، بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ماهو محظور في الشرع... )

الاستحسان
هو لغة: عد الشيء حسناً.
أما اصطلاحا، فيطلق الاستحسان ويراد به معان ثلاثة:

الأول: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة أو الرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ أقوى منه .
الثاني: يُطلق على ما يستحسنه المجتهد بعقله.
الثالث: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه.

وبطلان هذين النوعين ظاهر لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شيء، وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يُظهر ويُعرض على الشرع.
وقد أنكر جمهور العلماء النوعين الأخيرين واعتبروهما من الشهوة والهوى
حتى قال الشافعي: (من استحسن فقد شرَّع).
قال الشوكاني بعد أن ساق أقاويل العلماء في هذا الباب: (فعرفت بمجموع ما ذكرنا أن ذكر الاستحسان في بحث مستقل ، لا فائدة فيه أصلاً؛ لأنه إن كان راجعاً إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار، وإن كان خارجا عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من التقوّل على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى) أهـ

حجج أصحاب القول بالاستحسان الغير قائم على دليل شرعى و الرد عليها
1- قوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}.
قال أبو محمد علي بن حزم في كتابه الأحكام (2/196):
(وهذا الاحتجاج عليهم لا لهم، لأن الله تعالى لم يقل فيتبعون ما استحسنوه وإنما قال عز وجل: {فيتبعون أحسنه}. واحسن الأقوال ما وافق القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم هذا هو الإجماع المتيقن من كل مسلم.
ومن قال غير هذا فليس مسلماً، وهو الذي بينه عز وجل إذ يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، ولم يقل تعالى فردوه إلى ما تستحسنون
والحق حق وإن استقبحه الناس، والباطل باطل وإن استحسنه الناس فصح أن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال وبالله تعالى نعوذ من الخذلان) أهـ.

2- حديث: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن).
فيقال لهم: هذا ليس بمرفوع بل موقوف على ابن مسعود رضي الله عنه وليس في قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ديننا حجة، ولو كان في ذلك حجة، لما كان في هذا الدليل خاصة حجة أو وجه للدلالة على ما موّهوه، إذ هو إشارة إلى اجتماع المسلمين، والإجماع لا يكون إلا عن دليل ، وليس فيه دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين أو بعض جماعاتهم وطوائفهم حسناً، أنه يكون حسناً عند الله .

أقوال مضيئة للعلماء في الاستحسان
الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204هـ):
قال رحمه الله تعالى: (من استحسن فقد شرع) أهـ من المستصفى (1/274).
وقال: (إنما الاستحسان تلُّذذٌ) ص 507 الرسالة فقرة (1464) .
(ليس لأحد دون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول إلا بالاستدلال. ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق) ص (25) الرسالة فقره (70).
وقال: (وهذا يبين أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان، إذا خالف الاستحسان الخبر والخبر من الكتاب والسنة. عينُ يتأخى معناها المجتهد ليصيبه كما البيت يتأخاه من غاب عنه ليصيبه) ص(504) الرسالة فقرة (1456
وفي رواية عنه أنه قال: (القول بالاستحسان باطل).
(ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعاً) أهـ .

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (384 - 456 هـ):
يقول رحمه الله: (الحق حق وإن استقبحه الناس، والباطل باطل وإن استحسنه الناس، فصح أن الاستحسان شهوة، واتباعُ للهوى وضلال، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان) (196/2) من الإحكام في أصول الأحكام.
يقول: (ونحن نقول لمن قال بالاستحسان: ما الفرق بين ما استحسنت أنت واستقبحه غيرك، وبين ما استحسنه غيرك واستقبحته أنت؟ وما الذي جعل أحد السبيلين أولى بالحق من الآخر؟ وهذا ما لا انفكاك منه، وبالله تعالى التوفيق) ص (200/2).

الإمام موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (541 - 620 هـ):
قال في روضة الناظر وجنَّة المناظر (ص147 - 148): (إنَّا لنعلم بإجماع الأمة قبلنا على أن العالم ليس له الحكم بمجرد هواه وشهوته من غير نظر في الأدلة . والاستحسان من غير نظر، حكم بالهوى المجرد. فهو كاستحسان العامي، وأي فرق بين العامي والعالم غير معرفة الأدلة الشرعية وتمييز صحيحها عن فاسدها. ولعل مستند استحسانه، وهم وخيال إذا عرض على الأدلة لم يحصل منه طائل... ).

الاستصلاح أو المصالح المرسلة
اعلم أن الأصل أن الله تعالى قد أكمل لنا الدين فقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3]. وبذلك لم يتركنا سُداً نستصلح أو نستحسن أو نتخير ما تشتهيه أنفسنا من الشرع والدين قال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [القيامة].
وبالتالي فكل ما لم يُرشد الله تعالى إليه من المصالح المزعومة فهو باطل وإن استصلحته واستحسنته عقول الخلق. وكل ما نص على أنه مصلحة لهم فهو حق محض وإن استقبحته عقولهم.
ولذا فإن خلاصة كلام العلماء في هذا الباب أن يقسموا المصالح إلى ثلاثة أنواع:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة. فنقول سمعنا وأطعنا.
الثاني: أن يلغي الشرع تلك المصلحة ولا ينظر إليها (فهذا لا خلاف في بطلانه لمخالفته النص، وفتح هذا يؤدي إلى تغيير حدود الشرع) .
الثالث: أن لا يشهد الشرع لتلك المصلحة لا بإلغائها ولا باعتبارها، وهذا الذي يشير إليه أكثر الناس حين يذكرون المصلحة المرسلة، وسموه كذلك لاشتماله بزعمهم على مصلحة مطلقة مرسلة، غير محكوم في الشرع على اعتبارها ولا على إلغائها.

والحق الذي نعتقده وندين لله تعالى به أنه لا وجود لمثل هذا النوع الأخير، ومن زعم وجوده فقد اتهم الشرع بالنقصان والكتاب بالتفريط، وخالف بذلك نص قول الله المحكم {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، وقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليك�� نعمتي}
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول: (لا يجوز إثبات الأحكام بمجرد الاستحسان والاستصلاح، فإن ذلك شرع للدين بالرأي وذلك حرام لقوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما ل�� يأذن به الله}).
وقال في الفتاوي (344/11): (القول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله - غالباً - وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك... ).

أقسام المصالح عند العلماء
العلماء يقسمون المصالح عموماً إلى ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.

أما الحاجيات والتحسينيات؛ فباب واسع عند العلماء، ولذلك قال ابن قدامة المقدسي:
(لا نعلم خلافاً في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل فإنه لو جاز ذلك لكان وصفاً للشرع بالرأي ولما احتجنا إلى بعثة الرسل ولكان العامي يساوي العالم في ذلك، فإن كل أحد يعرف مصلحة نفسه) أهـ .
وأما الضروريات؛ فهي ما يسميها العلماء بمصلحة درء المفاسد عنها، وهي ستة: الدين والنفس والنسب والعرض والعقل والمال.
ولم يترك الشرع وسيلة حفظ هذه الضروريات تبعاً لما يهوى الخلق وما يشتهون بل حد حدوداً.
فقضى بقتل المرتد حفاظاً على الدين، وبالقصاص حفاظاً على الأنفس وبحد الزنا وبالعدة على المتوفى عنها زوجها والمطلقة ونحو ذلك حفظاً للنسل والنسب كما شرع حد القذف حفظاً للأعراض وحد الخمر حفاظاً على العقول،وحرم الربا وبعض أنواع البيوع، وشرع حد السرقة حفظاً للمال، ولذلك فأدلة الشرع متضافرة على اعتبار هذه المصالح والمحافظة عليها.
ومادام الشرع قد قضى بوسائل محددة للحفاظ على هذه المصالح فلا يحل ابتداع وسائل لم ينص عليها الشرع أو ليس لها أصل فيه، والتشريع بمحض الهوى بحجة الحفاظ على هذه المصالح باطل.

من صور من تمادى فى المصالح حتى قدمها على الدليل-
أحد المشايخ ضرب على ذلك مثلاً بالجزائر حين خرج المستعمر الفرنسي منها، فزعم أن أغلب اقتصادها كان آنذاك مبنياً على صناعة الخمور، فأخذ يسفه عقول القائلين بإغلاق تلك المصانع فوراً ويصفهم بالجمود مع النصوص وعدم فهم روحها وأن المصلحة تقتضي إقرار تلك المصانع والتدرج مدة في إلغائها. خشية من مفسدة انهيار الاقتصاد وتضرر الشعب . مع أن الله تعالى قد ألغى مثل هذا الاستصلاح وبين يوم أن قضى بمنع المشركين من دخول الحرم، وقد علم سبحانه بخوّف بعض المؤمنين من مفسدة ضعف الاقتصاد وكساد التجارة التي قد تنتج عن ذلك المنع المفاجئ، فقال سبحانه: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} [التوبة: 28].
وهكذا فقد بلغ الأمر بأصحاب هذه الاستصلاحات أن يسموا الوقوف مع الأدلة الشرعية وعدم تعدّي حدود الله جموداً مع النصوص.
فنقول لهم: أن كان هذا جموداً عندكم فنحن نعلنها بأننا فخورون بهذا الجمود معتزون به ونسأل الله تعالى أن يحيينا ويميتنا عليه. وهنيئاً لكم بالانحلال عن النصوص والتحرر من الأدلة وتعدي حدود الله في ظل استصلاحاتكم واستحساناتكم المتهافتة.

المصالح المرسلة ومثال الترس
ولاستكمال الكلام في هذا الموضوع ولكي لا نُبقي للمتلاعبين في دين الله ثغره. اعلم أن بعض العلماء قد تكلموا في قبول المصلحة إن اجتمعت فيها شروط ثلاث:

أولها: أن تكون مصلحة حقيقية وليست مصلحة وهمية.
ثانيها: أن تكون مصلحة عامة وليست شخصية.
ثالثها: أن لا تعارض هذه المصلحة حكماً أو دليلاً شرعياً.

جاء في إرشاد الفحول ص (242): (إن كانت تلك المصلحة ضرورية،قطعية، كلية، كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر. والمراد بالضرورية: أن تكون من الضروريات الخمس. وبالكلية: أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حاله. واختار هذا الغزالي والبيضاوي ومثّل الغزالي للمصلحة المستجمعة - أي: لهذه الشروط - بمسألة الترس) أهـ.
هذا مع أن من قال بها من العلماء قد قيّدها بقيود ثقال لما فيها من استحلال الحرام.
ومن تلك القيود:
أن لا يوجد سبيل إلى قتل الكفار وصدهم إلا بقتل الترس فإن وجد غير هذا السبيل لم يحل قتل الترس بحال.
أن يتيقن بأن ترك الكفار وعدم قتلهم لأجل الترس فيه هلاك حقيقي للمسلمين وللترس أيضا.
أن يتق المسلمون الله في قتالهم هذا ما استطاعوا فلا يقتلوا من الترس إلا ما اضطروا حقيقة إلى قتله.
ومع هذا فإن كثيرا من المفتونين في هذا الزمان يحتجون بمسألة الترس هذه وينزلونها بلا مبالاة وبكل سهولة ويسر على أبواب خطيرة تخرج من دائرة الإسلام وتفضي إلى البراءة من ملة التوحيد... كالولوغ في كثير من أعمال الكفر ووظائفه

تنبيه:
الى أصل عظيم وقاعدة مهمة أغفلها أكثر الناس: أعظم مصلحة في الوجود لا يجوز تعطيلها و معارضتها بأي مصلحة دونها.
قد علمت أن المصالح الضرورية التي اعتبرها الشارع ستة هي: الدين والنفس والنسب والعرض والعقل والمال.
وأعظم هذه المصالح كلها على الإطلاق هو الدين، لأنه إذا كانت الضروريات الأخرى قد اعتبرها الشارع لأنها تحفظ على الناس دنياهم وأمور معاشهم. فإن الدين يحفظ عليهم دنياهم وآخرتهم وبه وحده النجاة. ولذلك كان أشد الحدود ما وضعه الله تعالى لحفظ جناب الدين، وهو القتل كما في حديث (من بدّل دينه فاقتلوه) ونحوه، خصوصاً وقد جعله الله حقاً محضاً له تعالى لا يشاركه فيه أحد.
وأعظم ما في الدين (التوحيد). الذي هو ضد (الشرك)، إذ ما خلق الله الخلق إلا من أجل تحقيقه واجتناب نقيضه وضده.
قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}. أي: ليعبدونني وحدي.
وما ارسل سبحانه الرسل ولا أنزل الكتب إلا من أجله، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}.
وقد تضافرت الأحاديث أيضا عن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه تخبر بأن مدار دخول الجنة والنجاة من النار موقوف على تحقيق التوحيد واجتناب الشرك والتنديد، وما بقية الشرائع إلا متممات ومكملات ومثبتات لهذا الأصل الأصيل.
فأعظم مصلحة في الوجود إذن هي توحيد الله تعالى.
ومن أجل ذلك شرع الله الجهاد والاستشهاد فكانت هذه المصلحة مقدمة على كل المصالح الأخرى من نفس أو مال أو عرض أو غيرها إذ شرعة الجهاد حقيقتها بذل جميع المصالح والضرورات من أجل حفظ جناب هذه المصلحة الكبرى. ويبين ذلك قوله تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} [البقرة: 217].
كما وأن أعظم مفسدة في الوجود هو الشرك الذي يناقض التوحيد، لأن ما دونه قد يغفر للموحد أو يشفع فيه شفيع مطاع أو يعذب بقدره ثم يكون مصيره مصير الموحدين.
أما من مات وهو مشرك بالله فقد قال تعالى فيه: {إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة}، وقال سبحانه: {أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.
فإذا تقرر هذا وعرفه المرء. لم يجز له أن يقدم على مصلحة التوحيد أي مصلحة في الوجود. كما وليس له أن يعظم، إلى جنب مفسدة الشرك أي مفسده في الوجود، لأن الشرع قد قرر أن التوحيد أعظم مصلحة وان التنديد أعظم مفسدة. وهذا إنما مرده إلى الشرع، لا للعقل أو الهوى والاستحسان كما هو مقرر في دين الله.

بيان طرف من كلام شيخ الإسلام
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يستشهد به كثير من الناس، دون أن يربطوه بهذا الأصل ودون أن يفقهوه وفقا له، حيث يقول: (إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة) أهـ .

فلو عقل المتكلم أو الكاتب وفهم أن أعظم مصلحة في الوجود هي التوحيد لما قدّم عليها أي مصلحة مرجوحة مزعومة أخرى . وكذا لو عقل أن أعظم مفسده في الوجود هي الشرك بالله، لما ترك درأها، ولا احتملها لأجل مفسدة هي أدنى منها واصغر، مهما بالغ في وصفها أصحابها كما هو شأن المدافعين عن المشاركة في كثير من أبواب الكفر والتشريع والحكم بغير ما أنزل الله حين يستدركون لباطلهم ذاك بميزان المفاسد والمصالح فيطففون جهلاً منهم أو تجاهلاً.

شبهة و الرد عليها
أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك تطبيق بعض حدود الله وترك قتل المنافقين الذين أعلنوا الكفر أو وقعوا ببعض المخالفات التي تستحق حدا، كعبد الله بن أبي والمستهزئين بالقراء الذين نزل فيهم قوله تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}، اتباعا للمصلحة وتقديماً لها على الحدود الثابتة بحق أصحابها.

فقد عقد ابن حزم في محلاة (11/201) تحت رقم (2199) مسألة يرد فيها على كل من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف واطلع على أن المنافقين قد ارتدوا وكفروا علناً بعد إظهارهم للإسلام، ومع هذا لم يقتلهم ولا أنفذ فيهم حد الردة. أو نحوه من الحدود التي استحقوها.
فبعد أن بيّن أن المنافقين الذين يُحتج ببعض مخالفاتهم في هذه الشبهة على قسمين: قسم لم يعرفهم عليه السلام قط. وقسم آخر افتضحوا فعرفهم فلاذوا بالتوبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيميةفي كتابه (الصارم المسلول) حول ذلك كلاماً نفيسا قريبا من كلام ابن حزم فسرد ص (346) قوله تعالى {يحلفون بالله ليرضوكم..}، وقوله: {سيحلفون لكم إذا انقلبتم إليهم لترضوا عنهم...}، وقوله: {يحلفون بالله ما قالوا...}، وقوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة...}، ونحوها من الآيات، ثم ذكر أنها دلت كلها على أن المنافقين كانوا يرضون المؤمنين بالأيمان الكاذبة، وينكرون ما يقعون فيه من الكفر ونحوه. ويحلفون أنهم لم يتكلموا بكلمة الكفر.
وذكر مثل ذلك أيضا ص (355) وأن البينة لم تكن تثبت على مقالاتهم وربما سمعها منهم الرجل المؤمن الواحد أو المرأة أو الصبي فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحلفون بالله أنهم ما قالوها، ولا يتوفر من يكمل نصاب الشهادة معهم. ومثل هذا يتنزل على حد القذف المذكور في حادثة الإفك. ولا يقال إن القرآن قد شهد عليهم بذلك لأن القرآن لم يعين أسماء ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين بأحكام الدنيا بما يعلمه عنهم بالغيب عن طريق الوحي، بل بما يظهرون أو يثبت عليهم بالبينة.
قال ابن حزم في الموضع المشار إليه آنفاً (218/11): (ومن ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل من وجب عليه القتل من أصحابه فقد كفر وحل دمه وماله لنسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الباطل ومخالفة الله تعالى. والله لقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الفضلاء المقطوع لهم بالإيمان والجنة إذ وجب عليهم القتل كماعز والغامدية والجهنية رضي الله عنهم فمن الباطل المتيقّن والضلال البحت والفسوق المجرد بل من الكفر الصريح أن يعتقد أو يظن من هو مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل مسلمين فاضلين من أهل الجنة من أصحابه أشنع قتله بالحجارة... ثم يعطل إقامة الحق الواجب في قتل المرتد على كافر يدري أنه ارتد ثم لا يقنع بهذا حتى يصلي عليه ويستغفر له وهو يدري أنه كافر. وقد تقدّم نهي الله تعالى له عن الاستغفار للكفار. ونحن نشهد بشهادة الله تعالى أن من دان بهذا واعتقده، فإنه كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال نبرأ إلى الله تعالى منه ومن ولايته) أهـ

أقوال ومواقف مضيئة للعلماء والدعاة و أئمة الهدى والملوك الصالحين في المصلحة العارية عن الدليل
الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى (101هـ):
قال يحيى الغساني: (لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقباً، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله: آخذ الناس بالظنة، وأضربهم على التهمة؟ أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة؟ فكتب اليَّ، أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله).

أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161هـ):
قال الذهبي: سمعت العنبري سمعت البوشنجي سمعت أبا صالح الفراء سمعت يوسف بن أسباط يقول قال لي سُفيان: (إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لصّ، وإذا رأيته يلوذ بالأغنياء فاعلم أنه مراءٍ، وإياك أن تخدع، ويقال لك: ترد مظلمة، وتدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس، اتخذها القُراء سُلّما) أهـ سير أعلام النبلاء (13/586).
وكتب سفيان إلى عباد بن عباد... وكان في كتابه: (إياك والأمراء
Displaying 1 of 1 review

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.