بلا شك كان الجزء الثاني من الرواية أعمق وأفضل، التحولات والمراحل والشخصيات التي صادفتها سيدة حتى وإن كانت في حيز عالمها تتطور وتتحرك باستمرار، حتى عقلية سيدة التي لم تتعلم ولم تنجح في نطق كلمة شمس كانت تتطور أفكارها تباعًا لما تمر به.
ميلودراما مأساوية واقعية للغاية، طريق طويل من الأشواك التي تنغرس في قدم سيدة في كل خطوة وتجعل أفكارها تنساق معها ساعيًا وراء حلم السيادة على حياتها، أن تتخلص من حياة الخدمة التي تتابعت عليها بكافة أشكالها.
من خدمة البيوت من بيت أبيها وحتى بيت زوجها الأول، خادمة في حب لا يشعر به الطرف الآخر، ثم خدمة الرجال من خلال بيوت بيع الهوى ثم خادمة فراش في بيت المقاول السباك، ثم خادمة أموال في زواجها الثاني، ثم خادمة في سعيها للصرف على ابنها ثم خادمة للحزن وأخيرًا خادمة للتعاسة والألم.
بشئ من الدراما عرض يوسف السباعي واقعية درامية عن حياة الشخصية وما صادفته، ورغم أن طريقها يبدو طويل ممتلئ بكل المآسي إلا أن دنيتها كانت محدودة للغاية حتى في شخوصها، ففي الحقيقة سيدة لم تطأ قدمها خارج شارع السد، وظلت أوصاله تلاحقها أينما حاولت أن تطول حلم السيادة.
أجاد السباعي استخدام شخصياته الفرعية أكثر من الرئيسية التي كانت آحادية، دلال والمعلمة توحيدة وأبو زيد، أنور الموردى وعباس البرعي، استقرت كل شخصية منهم في هيكل العالم الذي صنعه وقدمت تطورها الذي دفع لتطور سيدة على المستوى الشخصي وليس على مستوى الشخصية نفسها.
بقيت سيدة كما ولدت، تدفعها الحياة وتنصاع لتقلباتها وتظن أنها سوف تتسيد وأنها أصبحت أذكى من الحياة نفسها حتى تصفعها الحياة الصفعة التالية.
وبدت في البداية حينما غادرت سيدة بيت أم علام أن ما حدث لتدخل عالم بيوت الهوى المرخص مقحم وسريع، ولكن في الحقيقة مد الكاتب هذا التطور منذُ انتقالها لبيت أم عباس وتعريف عباس لها بالإجبار على هذا الجانب من الحياة، وهو ما جعلها تحصل على علام أيضًا بثمينه بورقة الزواج ثم قرارها بأن تتقاضى المال في سبيل الحرية المزعومة بمفهومها الخيالي.
كان وصف هذا العالم والعالم جيد، لم يتطرق لتعميق قصصه ولكنه قدمه بشكل جيد بما يناسب فكرة يوميات سيدة حتى لحظة موتها.
ثم عالم سيدة النظيف من جديد والذي لم يخلو من الشوك، ميلودراما في كل مرحلة، واختيار أن لا يشعر حمدي بمشاعرها العاطفية جيدة وركيزة لمدى تعاسة حياتها.
تعاقب الأحداث والتطورات كان أفضل، ولم تكن مونولوجات أفكار سيدة تسيطر عليه كما في الجزء الأول من القصة، ورغم أن هذه الرواية تخلو من أبيات الشعر والخواطر التي كانت من سمات أسلوب يوسف السباعي إلا أن استطرد الأفكار وأحيانا تكرار سردها لازال موجود.
وحلت القصة الدرامية من السياسة، كما جاء على لسان البطلة، تتعاقب الأحداث ولا تشعر بأن عالمها الصغير يتغير أو يتبدد، وهو ما ما ناسب الشخصية ودعم الجزء الدرامي الاجتماعي في القصة، كما خلت من الرومانسية التي أشتهر بها السباعي، ميلودراما صرف من الفصل الأول وحتى الأخير.
أعتقد أنها تجربة جديدة للقراءة ومتابعة تغير سيدة على طول حياتها وحتى نهايتها.