" أريد أن أمحو هالة القداسة التي أقنعوني بها.. أن أخبرهم كم بائسٍ أن تملك ساقينِ بلا خدوش، لأن ذلك لا يعني أنك مطيعٌ وحذِر، بل يعني.. أنك محرومٌ من اللعب."
(أربي الذئاب في سلة القش) هو الديوان الثاني للشاعرة الكويتية عائشة العبدالله بعد ديوان (خمسة أوتار في يدي) الصادر عام 2014
نصوص أعمق مما نظن..وعذبة بلا نهاية.. نسجتها الكاتبة بكلمات ومشاعر موزونة واستعارات بلاغية زادت من قوة المشاعر وادهشت الحس..وأربكت الحواس.. فهذا الكتاب غريب وجاذب من العنوان والغلاف وكذلك المحتوى.. .. فهذه النصوص تمكنت من القلب ونبضه..وكأن الكاتبة مزجت الكلمات بفيضٍ من الأحاسيس.. تلك الأحاسيس التي لانستطيع التعبير عنها وقد نخفيها.. مشاعرنا وذكرياتنا وأبسط المواقف التي حفرت لها ذكرى في قلوبنا.. . أعدت قرائتها أكثر من مرة..واقتبست الكثير.. فقد سُحرت بها تماماً..وأعجز عن وصفها.. . فلا أبالغ ان قلت بأن بعض المشاهد والمواقف كانت مصورة بطريقة حقيقية وكأنها أمامي.. وكأن قلبي أصبح شفاف وتناثرت تلك الكلمات من داخله تعبيراً لأعمق المشاعر.. فقد جُسِدت تلك المواقف و صِيغت بطريقة بلاغية متوازنه لاتشوبها شائبة..جريئة خيالية الحرف وواقعية السرد..عميقة لها أبعاد حسية تلامس نبض القلب.. . فالكتاب خفيف وسلس وتتملكك الرغبة بالغرق في سطوره.. يُقرأ على مهل مع رشفة قهوة وقطعة حلوى☕🍫 . لمحبي النصوص وعشاق الكلمات الشاعرية هذه النصوص قد كتبت لكم..لتتذوقوا طعم الجمال وعذوبة الأدب..
لا اعرف كيف ينتقد الشعر او يمدح لكن من رايي الشخصي ان نجاح كتاب شعر معين يعتمد على ما يحركه من مشاعر واحاسيس في قلبك الابيات في هذا الكتاب جميلة وبها من الحكمة الكثير احسست بأن الشاعرة تنقل تجاربها الاجتماعية والعاطفية التي مرت بها من حولها على طريقة ابيات من الشعر هناك الكثير من الابيات اللتي لامست قلبي وجعلتني اتأمل ومنها حين قررت نسيانهم خلعت اوراقهم واحدا واحدا من دفتر التقويم
2- كم بائسٍ ان تملك ساقين بلا خدوشٍ لأن ذلك لا يعني انك مطيع وحذر بل يعني انك محرومٌ من اللعب وغيرها الكثير
قراءة في ديوان " أربي الذئاب في سلة القش" للشاعرة عائشة العبدالله
"الحب مرآة لا تعرف وجهها
لا ترى حاجبيها المعقودين
ولا تجاعيد وجنتيها
وهي تصرخ بنا:
كم أنتم تعساء
صاخبون بالنتوء
عالقون في الحفر
وشاحبون كدهر من خريف."
أثناء قراءة هذا المقطع توقفت طويلًا أمام "صرخة المرآة"، قرأتها أكثر من مرة: كم أنتم تعساء، صاخبون بالنتوء.. إلخ. أعدت قراءتها بصوت أعلى. حاولت أن أقرأها كصرخة.. لم أنجح. لا يمكن لهذه الألفاظ أن تكون صرخة، إنها أضعف من ذلك بكثير.
لو كنت أمارس النقد بالمعنى السائد للكلمة- لقلت أن الشاعرة لم توفق في اختيار لفظة" تصرخ" وكان من الأبلغ مثلًا أن تستبدلها بلفظة " تتذمر". لكنني لا أؤمن بامتلاك الناقد مثل هذه السلطة على النص، وأؤمن دائمًا أن اللغة تخبئ ما هو أبعد من سطحية البلاغة. هنا تذكرت مقطعًا في قصيدة سبقت هذه تقول فيها الشاعرة:
"كأن تصرخ بأعلى صوتك،
بأقصى ما تستطيع،
وتعرف أنه ليس ثمة حنجرة."
وتقول في مقطع آخر:
" ولكنهم لا يدركون حجم الدبابيس في حنجرته."
في المقطعين الأخيرين نرى تصريحًا واضحًا ومباشرًا لحالة العجز، عجز الحنجرة عن القيام بوظيفتها الثورية المتمثلة بالصراخ، بكل ما يحمله من أبعاد دلالية كالرفض والغضب والألم وغيرها. واستنادًا على هذين المقطعين صار مفهومًا بالنسبة لي الهشاشة التي استشعرتها في المقطع الأول وكيف أن مضمون الصرخة أضعف من أن يكون صرخة.
في الواقع إن هذه الحالة لا تهمنا لغويًا بقدر ما يهمنا البعد السيكولوجي الذي تجسده. إن الرغبة بالصراخ تعكس وجود طاقة شعورية هائلة كامنة في نفس الإنسان، لكن في اللحظة التي يحاول فيها هذا الإنسان التعبير عن كل هذه المشاعر الداخلية لديه، أي: نقل هذه المشاعر من كونها "رغبة" إلى حيز "الفعل" والتطبيق، سيجد نفسه بشكل أو بآخر قد فشل. وهذا الصراع بين رغباتنا وكل ما ينسحب تحتها من أحلام وطموحات وتطلعات وبين ما نحققه من هذه الرغبات على أرض الواقع، يمثل واحدًا من أكبر هموم الإنسان التي يكابدها في الحياة. ومن البديهي أن هذه الرغبات لا تفقد قدرتها على التحقق إلا لوجود عائق أو مانع حرمها من ذلك. ففي المثالين السابقين، كان المانع من الصراخ مجازيًا هو فقدان الحنجرة أو الدبابيس. لكن "الصراخ" هنا ليس أكثر من نموذج يعكس صراعًا أكبر. ونستطيع أن نتتبع تشكل هذا الصراع شعريًا في الديوان، وسنرى طغيانه عليه وخصوصًا في أول ثلثين منه، وهو الجزء الذي تعبر فيه الشاعرة عن ذاتها بصفتها امرأة تجسد هموم المرأة في مجتمعها. وقد وفقت الشاعرة في اختيار "الصوت" كنموذج يعبر عن هذا الصراع. حيث أنه في هذا المجتمع الذكوري تعد المرأة مسلوبة الحنجرة، إذ أن صوتها "عورة" حسب المفهوم الديني لهذا التعبير.
وباتت الآن ملامح هذا الصراع – بطابعه النسوي – تتضح أكثر إذ تحددت عناصره. فالطرف الأول منه تمثله المرأة ورغبتها الثورية في كسب كافة حقوقها. أم الطرف الثاني فيمثله المجتمع الذكوري كرغبة مضادة لقمع رغبة المرأة ومنع تحققها.
" أربي الذئاب في سلة القش "
" في صغرها،
كانوا يقصون عليها الحكايات المثيرة
وكان عليها أن تكون الفتاة التي تجمع الورد
وتتقن صنع الحلوى
وتثرثر عن فستانها الأخير في مجلس الجارات
ثم تنتظر قلبًا يطرق الباب.
ولكنها فقط
كانت شاعرة
تركض إلى الطرق الملتوية
تختبر لسعة الشوك بلسانها
تصاحب الضفادع والمشردين
تربي الذئاب في سلة القش
تفترس الحب بأظافرها
وتقفز من الشبابيك
دون أن تأبه بالأبواب المقفلة"
واضح انشطار النص إلى قسمين، القسم الأوليعبر عما أُريدَ لهذه الطفلة أن تكونه أو كما وصفناه بـ "رغبة المجتمع". والقسم الثاني لحظة انبثاق الشاعرة، حقيقة هذه الطفلة، الذات الأنثوية المتمردة المرفوضة مجتمعيًا. وهذا الانشطار يعكس تمامًا الصراع الذي سبق وبيناه. فالمجتمع قد اختار وحدد مسبقًا صورة نمطية يجب على المرأة أن تتوافق معها، وتبد�� عملية قولبة المرأة على هذه الصورة منذ طفولتها إلى أن تحين اللحظة المفصلية في حياتها وهي الزواج. بينما في الجهة الأخرى تتبع هذه المرأة كل أساليب التمرد على رغبة المجتمع فينشأ صراع بين قوتين، قوة ذات المرأة وقوة المجتمع وهو بالطبع صراع ليس متكافئًا. ونلاحظ أن الشاعرة اختارت مقطعًا من القسم الثاني – تربي الذئاب في سلة القش- لتضعه عنوانًا للديوان مما يوحي بالقوة والسيطرة ويدل على كسب هذا الصراع وتحقق رغبات المرأة وانتصارها. لكن هل هذا حقيقي؟
لو أمعنا النظر في القصائد باحثين عن إجابة، سنجد أن الشعور العام أبعد ما يكون عن الإنتصار. الضعف، الهزائم، العجز، الانسحاب.. هي ما يطغى على النص ويسيطر عليه، رغم محاولة الشاعرة/المرأة لإظهار عكس ذلك أكثر من مرة.
" من أجل امرأة وحيدة تشم ضعف يدها (...) من أجل سماء تريد أن تدافع عن حقها في السقوط" ، " بين ضفتي قلبي استراحة معدة لاستقبال الهزيمة" وغيرها العديد من المواضع في الديوان تعبر عن هذه الحالة.
وهذا ما أعادني إلا نقاش خضته مع أحد الكتاب قبل فترة، إذ قال مستنكرًا: لماذا الجيل الجديد من الشعراء الشباب تطغى الهزيمة على قصائدهم؟ لماذا كل دواوينهم تنضح بالضعف والانكسار؟ أين البأس والقوة التي كنا نجدها في شعر القدماء؟
هذه الملاحظة هامة وحساسة جدًا، لكن الإشكال ربما في آلية توجيه السؤال، وهذا إشكال يحكم عقليتنا القرائية وأدواتنا النقدية بشكل عام. فنحن حين تستوقفنا مثل هذه الملاحظات وبهذا الكم يجب أن نضعها تحت مجهر التفسير والتأويل بغاية الفهم. لا أن نصطدم بها بأحكامٍ شخصية غالبًا ما تؤدي إلى رفض العمل دون فهمه بل وأحيانًا تقود إلى رفض جنس أدبي كامل.
ونعود مرة أخرى للسؤال: لماذا تطغى روح الهزيمة والوهن على الشعر الحديث؟
الرأي الذي انطلق منه هذا السؤال ليس رأيًا جديدًا في تلقي الشعر والتعامل معه، بل أنه أقرب ما يكون إلى امتداد لنظرية قديمة جدًا في نقد الشعر العربي وهي نظرية " الاستواء النفسي " حيث تطالب هذه النظرية الشاعر بأن يحافظ على حالته النفسية في جميع قصائده، وهو ما عيب على تذبذب نفسية أمرئ القيس في قصائده، حيث قال في إحداها وهي تعكس حاله كونه ابن ملك:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
ثم قال في قصيدة أخرى تعكس حالة من الهوان:
لنا غنم نسوقها غزار * كأن قرون جلتها العصي
فتملأ بيتنا اقطًا وسمنًا * وحسبك من غنى شبع وري
ومثل هذا الرأي مفهوم تمامًا في حقبة قيل فيها "أعذب الشعر أكذبه"، فالشاعر لم يكن مطالبًا بالحقيقة بقدر ما هو مطالبٌ بالإجادة في استيفاء أغراض القصيدة التي يكتبها. فالمديح والهجاء والفخر الرثاء – وهي أغراض الشعر الرئيسة سابقًا- تحتم بطبيعتها الكذب والتضخيم والمبالغة في تناول صفات الشخص أو الجماعة التي تعنى بهم القصيدة. ولذلك كان الشعر في تلك المرحلة "غيري" لا يعنى بذات الشاعر ولا همومه الشخصية. وهذا بالطبع لا ينفي وجود الجانب الذاتي في القصائد فهي كثيرة ومتسربة هنا وهناك وتعبر عن نفسها دائمًا في أول متسع تجده مثل الوقوف على الأطلال والرحلة.
أما في الشعر الحديث فقد انعكست الآية وانسحبت القصيدة بشكل أكبر إلى ذات الشاعر ووجدانه الخاص، بل وصار الشاعر يعاب إذا ما كانت قصائده "غيرية" مثلما حصل مع أحمد شوقي وقد عد ذلك منقصة جمالية في شعره من وجهة نظر العديد من نقاد عصره. لذلك من المهم أن يدرك المتلقي اليوم أن رغباته وتمنياته واعتباراته الشعورية لم تعد معيارًا يعتني به الشاعر في كتابة القصيدة، فالشعر بات أداة تعبيرية خالصة ينفس فيها الشاعر عن مختلجات نفسه.
وعودة إلى الديوان، وانطلاقًا من المقدمة السابقة سنجد من الطبيعي أن تكون القصيدة هي المساحة التي تعبر فيها الشاعرة عن صراعها النسوي من منظور حالتها الشعورية والوجدانية. إذ لم يعد من اللائق بالشعر أن يحمّل بعد الآن بالطرح الآيدولوجي التنظيري. فالقصيدة صارت هي الزاوية التي ترتكن إليها الشاعرة كمحطة استراحة من كل صراعاتها، وتعالج فيها أثر هذا الصراع على نفسها المرأة/الإنسانة. ولو تناولنا هذا الصراع خارج القصيدة، فمن الواضح أن الحراك النسوي لم يحسم بعد والمرأة لا تزال في قلب المعركة. وربطًا بمفهوم " الحقيقة " فإن ادعاء الانتصار في هذه المرحلة لن يعدو كونه ضربًا من الوهم. فالمعركة لا تزال قائمة والمرأة لا تزال تخوض هذه الصراعات بشكل مستمر. فتعود إلى حياتها واهنة. " من أجل التعب الذي تسند ظهرها عليه، لأنها رفضت عكاز الآخرين". ومن جهة أخرى، ورغم التقدم الذي حققه حراك المرأة كقضية، غير أن الخسائر التي تتكبدها المرأة على المستوى الشخصي تبقى هائلة. فمواجهتها للمجتمع إنما هي مواجهة للأسرة، للأصدقاء الذين يرفضون هذه الفكرة، للزوج، لبيئة العمل. وكسب المرأة لذاتها سيترتب عليه بشكل أو بآخر خسارة الآخرين، خسارة الحب بصورته النمطية، خسارة الانتماء للأسرة، خسارة القبول.. وخسارات لا تحصى. لذلك أرى أن طغيان حالة الانكسار والهزيمة على الشعر – شعر المرأة بشكل خاص- هو الحالة الطبيعية، إذ أنها هي الحقيقة الوجودية التي تعايشها في صراعها مع هذا المجتمع الشرس.
" مثل قبيلة من الهنود الحمر
يداهمونك..
يقتلعون جلدك المدبوغ طبقة طبقة،
يحاولون تفكيك روحك
حين ترى النار تتطاير
أشباحًا مرعبة أمام عينيك
إنهم يعتقدون أنك مسخ كلما تقشرت أمامهم"
ختامًا: هذه القراءة لا تشمل الديوان كله، فهناك مجموعة قصائد لم تتناول هذا الجانب ولا تمثل هذه القضية. إنما اخترت القصائد التي تتعمق فيها الشاعرة في ذاتها بصفتها امرأة لدراسة هذه القضية وهي في الواقع تغطي جزءًا لا بأس به من الديوان.