احتوى هذا السفر المبارك على دعائم واصول ثمانية، هي على الإجمال: الأوّل: التحلي بروح الحكمة في الحياة. الثّاني: قوّة العقيدة بأصول الدين التي تمثل حقائق الوجود الكبرى ورسوخها. الثّالث: الاطلاع على اصول سنن االله سبحانه وتعالى في هذه الحياة الظاهرة منها والباطنة، للتعامل الحكيم معها بالعمل على وفق سنن السعادة دون الشقاء. الرّابع: معرفة الإنسان بنفسه والسنن النفسيّة حتّى يتمكن من سوقها على وفق سنن السعادة سوقاً راشداً، ويحذر نموّ بذور الشّر والشقاء فيها. الخامس: معرفة الفضائل والرذائل التي هي السنن التفصيليّة الواضحة للخير والشرّ والوقوف على آثارها حتى يكون ذلك ممهداً وحافزاً إلى تحصيل تلك وتجنب هذه. السادس: اتباع السنة واجتناب البدعة، تبيّناً للسنن التفصيليّة في ما تشابه الأمر فيه على العقل، فينبغي أن يهتدي فيه بالشرع. السّابع: رقابة الإنسان على نفسه ليكون قيّماً عليها بين تناقض مقتضياتها وتضاد جهاتها فيأمن خداعها ويضمن صوابها. الثّامن: تربية النفس على الأعمال الصحيحة، وتجنب الأعمال الخاطئة، وتنمية القيم الفاضلة، وإيجاد الملكات المساعدة، وإرساء المشاعر الساندة، وتكوين العادات الصحيحة.
المعلوم هو أن منطق العلم والأخلاق واحد، لأن الصفات التي تؤدي إلى الرشد الأخلاقي من الاعتبار بالخطايا والإقلاع عن تكرارها، والصبر والمشورة والتثبت ونحوها بنفسها هي التي تؤدي إلى الرشد العلمي، بل الواقع أن الخطأ العلمي في موارد تدخل صفات ذميمة فيه هو في الحال نفسه خطأ أخلاقي.
ولا يختص معنى التزكية هنا بالتزكية الدينية الناظرة إلى تحصيل رضا الله سبحانه والعمل بما فطر عليه الإنسان والتهيؤ للقائه والدار الآخرة، بل إن كل علم نافع لا يستغني عن استعدادين اثنين: استعداد نفسي سابق لاستقباله، واستعداد آخر لاحق للعمل به بعد الوقوف عليه.