تفترض النزعة التوفيقية كإستراتيجية نهضوية مسارات للدمج والتركيب تستلزم بدورها تحيليلًا وتفكيكًا بهدف الاختيار بين العناصر الإيجابية فى بنية تراثنا القديم وبنية الفكر الغربى الحديث؛ ولأن التاريخ ليس سكونيًا والذات الثقافية لم تكن أبدًا فاعلة خارج سياقها؛ فقد تعذر القيام بهذه المهمة التى تفترض قيام الذات العربية وكأنها فى استراحة تاريخية بوضع البنيتين أمامها والانتقاء بينهما. لم يُسطر هذا الكتاب إذًا بهدف تكرار الدعوة إلى الموقف التوفيقي ولكن بهدف الغوص أسفله وفى خلاله كما في سياقاته كشفًا عن ممكناته واختبارًا لفرضياته، ليس فقط داخل التراث العربي الإسلامى بل وأيضًا داخل التراث الغربي المسيحى لنكتشف متى وكيف صار الغرب حداثيًا وتنويريًا وعلمانيًا، عبر أى مسارات وتعويلًا علي أى موروث؛ كشفًا عن الآليات الخفية والمسارات العلمية التى تحاورت الثقافتان الكبريان من خلالها، حيث الحضارة الإنسانية بنية واحدة وإن تفاوتت المراكز الثقافية داخلها بين من ينتج الحضارة ومن يستهلكها، والخبرة الإنسانية مشتركة لا يملك أيا من كان الانخلاع منها أو النأى عن تيارها الرئيسي. منهج الكتاب إذن هو النقد التاريخى وغايته تحويل الإستراتيجية النهضوية عن مفهوم التوفيق السكونى الذى يفضي إلى تقنيم ثقافة واعتمادها مرجعًا تقاس به الأخرى، إلى مفهوم النقد التاريخى الجدلى حيث تتوازى الثقافات وتتفاعل فما بينها ومع حركة التاريخ ليصبح عصر التدوين العربى ملهمًا مثلما أن عصر التنوير الغربي حاضرًا؛ فيما ينهض الحس النقدى بمهمة تقييم مرتكزات الحضور ومصادر الإلهام وكيف استجابت سلبًا وإيجابًا لمسار تطور العقل البشرى نحو العقلنة والأنسنة والعلمنة.
صلاح محمود محمد سالم .. صحفى بجريدة الأهرام منذ عام 1996. كاتب وصحفى بالأهرام من عام 2001. حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، عام 1992.