مذكرات صاحب الجلالة الملك عبدالله الأول ملك المملكة الأردنية الهاشمية هذه مذكرات ملك صنع التاريخ ثم كتب التاريخ... فالقول أنها جديرة بالبقاء ما بقيت أمة عربية بل ما بقيت الدنيا، قول فضول. على أنه ليس فضولا الإقرار بالفضل وتسجيل الفخر: فإنه شرف لا أطمع في أن أنال أرفع منه، هذا الذي تفضل فأسبغه عليّ سيدي ومولاي حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم صاحب هذه المذكرات، عندما عهد إلي جلالته حفظه الله فمنحني أن أنشر ما صنع وكتب.
كنت أتوقع أن أجد في كتاب مذكرات الملك عبدالله بن الشريف الحسين كما قد يتوقع القارئ من أي كتاب سيرة ذاتية: حقائق لم تكشف ولم تعلن في حينه وأوانه لحساسيتها لكن للأسف جاء كتاب السيرة تسطيراً لبطولات غابرة قالت ولم تقل، أفصحت ولم تفصح، ألمحت ولم تفسر تفاصيل كثيرة حول الثورة العربية والتخلص من الحكم العثماني البغيض ولكن شبه صمت حول دور "لورنس" وكيفية تمكن ابن سعود من السيطرة على الحجاز صمت شبه كامل عن علاقة بني هاشم مع الإنجليز ودور الإنجليز في تعزيز استقلال الأردن ... لكن الكتاب لم يخلُ إطلاقاً من كثير المديح لمختلف المندوبين الساميين للانتداب البريطاني، مديح يُفهم منه ما لا يتم الإفصاح عنه
هذه المذكرات أشبه برواية أغلب فصولها مفقودة. هنالك تفاصيل شخصية ولكن كثير من الأمور العظام لم يتطرق البها حتى على المستوى المحلي الذي شكّل وجه الأردن الحديث مثل حادثة الكورة وحادثة العدوان. كان الرجل مقربا من صنع القرار في السلطنة وعاش ردحا من الزمن في إسطنبول وكان عضوا في مجلس المبعوثان وعلى علاقات شخصية بالخديوي واسرته, ولا تنقصه الحنكة ولا تخونه الذاكرة ولا تحبسه الفكرة ويمتلك قلم اديب, لذا فالكتاب لا يقدم الكثير. مما يقدّر للكاتب نظرته للسلطان عبد الحميد والخلافة العثمانية نظرة منصفة مع أنهم قاموا بثورة عليهم.
مما لاشك فيه ان الملك عبدالله الاول من أهم الشخصيات التي شهدت اهم التحولات الجيوسياسية في نهاية القرن ال19وبداية القرن ال20 ويكمن اهم عنصر بشخصيته انه كان شاهداً على اخر ايام الإمبراطورية العثمانية التي كان هو نفسه عضواً في برلمانها ممثلاً عن وطنه الأول مكة المكرمة وشاهداً على انهيار هذه الإمبراطورية وبروز الدول القُطرية بشكلها الحالي. اهم ما اعتقد انه قد يُلفت انتباهك في هذه المذكرات بسلبها وايجابها هو :- 1)عدم رضا الملك عبدالله عن سياسة والده الشريف حسين في آخر ايام الدولة الحجازية وان لم يتم تفصيل هذا الخلاف بإسهاب مما أدى إلى خروجهم من الحجاز نهائياً. 2)هنالك أشواط زمنية مفقودة في سرد سيرة حياته منها حوالي 20عام عاشها في إسطنبول مع العائلة منفاهم الأجباري بقرار من سلطان الدولة العثمانية بعد خلاف بين والده الشريف حسين و عبدالمطلب آل زيد على إمارة مكةفلم يشرح تفاصيل حياتهم هناك. 3)المديح الزائد للموظفين البريطانيين العاملين بالمنطقة من سفراء ومناديب ووزراء وظباط في سلك الحربية البريطاني وهو مايضفي نوع من الملل والاستفهام.
4) الحرب المريرة بين الهاشميين (الحجاز) و آل سعود(نجد) للسيطرة على الحجاز ومدن سواحل البحر الأحمر حيث يحصي قتلى واحدة من المعارك بينهم ب4000 قتيل بمعركةواحدة في هجوم لآل سعود على الحجاز تم صدهم بجيش بقيادة الملك عبدالله نفسه