المحقق الخبير يوسف الهادي هو من المختصين القلة الذين بحثوا في خِضم المخطوطات التاريخية المفقودة وعملوا على جمع النادر منها على الخصوص في فترة ابتداء دولة المغول وخروج جنكيزخان وهو من أخطر المواضيع التي يتم التأليب والتحريض فيها على الشيعة دون معرفة أصل هذه الأخبار وحقيقتها وما شابها من تزوير. فإبن تيمية وأشهر تلامذته (ابن الذهبي وابن كثير) هم أول من جاؤوا بفرية خيانة ابن العلقمي و ابن الحلي وهذه النحلة ما هي الا من اختراعاتهم التي ساقوها حسداً بعد بروز نجم العلامة الحلي في الأوساط الدينية السنية والشيعية على السواء حتى ألف ابن تيمية كتابه المشهور منهاج السنة.
أو عندما يقول محمد عمارة المؤلف المصري المشهور وعضو المجمع العلمي في الأزهر بأن من حرر بغداد والشام هم أهل السنة والجماعة ومن تآمر عليها هم الشيعة فكل ذلك من مفرزات التاريخ المزور الذي كتبه من يناصبون العداء لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
الكتاب من المصادر المهمّة التي تنتمي إلى ما دأب المحقق الهادي على تسميته بـ المدرسة البغدادية لمؤرخي الغزو المغولي للعراق سنة ٦٥٦هـ/ ١٢٥٨م ومؤلفه قطب الدّين الشيرازيّ الشافعيّ، عالم موسوعيّ من تلامذة الخواجة نصير الدين الطوسيّ، وقد عاصر شطراً مهماً من الوقائع التي ذكرها في كتابه هذا.
وما يميز تحقيقات الاستاذ يوسف الهادي هي الطريقة النادرة التي استخدمت في التحقيق وهي طريقة اطلاع النسخ وتصحيح القراءات التي ابتكرها المستشرقين قبل ما يربوا على المائة وخمسين عاماً ولم أجد من يعمل بها في أيامنا هذه غير محمد روشن صاحب جامع التواريخ. كما يحتوي الكتاب على فوائد جغرافية لا توجد في غيره من المصادر. أما الشيء اللآخر هو اكتشافه لوثائق جديدة في خصوص واقعة بغداد وقضية مؤيد الدين بن العلقمي فجميع من كتب من المحققين كان يعطي النتائج المسبقة، وفي محاولة لإعادة كتابة التاريخ وبعد 30 عاماً من دراسة التاريخ المغولي يكتشف الهادي وثيقة الرواية البغدادية للغزو المغولي للعراق والذي اسماه في هذا الكتاب المثلث الذهبي لمؤرخي بغداد.
ابن الساعي الشافعي البغدادي ابن الكازروني الشافعي البغدادي ابن الفوطي الحنبلي البغدادي
ثلاثة من المؤرخين ولودوا وعاشوا في بغداد، في ظل حكومة آخر خليفة عباسي وهو المستعصم بالله وعندما دخل المغول كانوا في بغداد، بل كان أحدهم وهو ابن الفوطي في سجون جنكيزخان وعندما خرج المغول وشكلوا حكومة لتحكم بغداد كانوا فيها حتى توافهم الأجل.
وفضلاً عما في الكتاب من معلومات عن بدايات التكوين الأول للأمة المغولية على مسرح التاريخ بقيادة جنكيز خان، ففيه أيضاً بعض التفاصيل الدقيقة - التي ربّما تكون نادرة - حول الغزو المغوليّ لقلاع الإسماعيلية في إيران ومن ثم الهجوم على بغداد وإسقاط الخلافة العباسية على يد هولاكو، ويعرض أيضاً صورة لواقع حكم المغوليين وسياستهم المتّبعة وبعض قوانينهم، فضلاً عن سلوكياتهم أو أدبياتهم في إدارة الدولة وفي الحروب. ثم يستمر في تاريخ الوقائع الى حين مقتل السلطان المغولي احمد تكودار في ٦٨٣هـ/ ١٢٨٤هـ. كما أضاف الأستاذ الهادي ملحقاً في آخر الكتاب ببعض المصطلحات المغوليّة المذكورة في المتن وبيان معانيها.
الكتاب أُلِّف باللغة الفارسية وترجمه وحققه المحقّق العراقي يوسف الهادي، وزيّنه بتعليقات مفيدة، كما قدّم للكتاب بدراسة تاريخية عرّج فيها على شذرات من حياة المؤلّف وأهميّة الكتاب وموقعه من بعض الكتب المؤلّفة عن تلك الحقبة والقريبة منه معتمداً في كلّ ذلك على مصادر تاريخية مهمّة، منها ما هو مخطوط ونسخه فريدة، ومنها ما هو مطبوع وطبعاته نادرة.
ابتداء دولة المغول وخروج جنكيز خان. تأليف أبي الثناء قطب الدّين محمود بن مسعود بن المصلح الشيرازيّ الشافعيّ (634هـ - 710 هـ). ترجمة وتحقيق: يوسف الهادي. الناشر: مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسيّة المقدسة. التقييم : 5 نجوم