قلنا أن بروكس قد نعت مؤرخنا هذا بأنه اسقف ميتيلين، وأنه يرى أن النعت "ميليتين" الوارد فى الفقرة التى اقتبسها ديونيسيوس بار اتساليبى Dionysius Bar Tsalib، والواردة فى القصاصاصات الفاتيكانية([12]) التى وصلتنا، إنما هو خطأ فى النساخة. ولكن أثناء ترجمة المُعرِّب للتاريخ الكنسى لسوزومينوس، ورد - ضمن أسماء الاساقفة الذين حضروا مجمع تيرانا لتثبيت عقيدة مساواة "الإبن للآب" فى الجوهر([13])- هذا الاسم واوتريوس اسقف مليتين Melitene بهجاء واضح. وبالرجوع إلى تاريخ هذه المدينة المذكورة فى نسخة سوزومينوس تبين لى أنها ترِد فى المصادر التاريخية فعلا بهذا الاسم "مليتين" دون خلط بين هجائه وبين هجاء ميتلين mitylene كما ورد فى ترجمة بروكس، والتى تقع كما ذكرنا فى جزيرة ليسبوس اليونانية الحالية. أما مدينة مليتين هذه الواردة فى عمل سوزومينوس فهى المدينة الحالية التى تقع فى جنوب شرق تركيا الحالية، والتى تذكرها المصادر العربية بإسم مالاطية([14]) . والمعروف أن المدينة القديمة كانت تُعرَف باللغة الأشورية بإسم Meliddu، ومنه جاء الاسم اليونانى مليتين، والذى انتقل بدوره الى اللاتينية. وتقع المدينة القديمة الآن على بعد بضعة كيلومترات من المدينة الحديثة باتالغازى([15]) بتركيا. والملفت للنظر أنها كانت مركزا لإيبارشية السريان الأرثوذكس. ويذكر المؤرخ الأرثوذكسى اللاخلقيدونى ميخائيل السورى أسماء اساقفتها والأديرة التى جاءوا منها من القرن التاسع الى الثانى عشر الميلادى. ولأن هذه المدينة كانت ضمن أراضى أرمينيا قديما قبل قيام تركيا بحدودها السياسية الحالية، وكانت أرمينيا أساسا لا خلقيدونية، لذلك يُرجَّح المعرب هنا أن يكون زكريا البليغ قد كان اسقفا لمليتين، وليس متيلين حسبما يظن بروكس. أعمـاله فى نحو 490م نسمع عن عمله الفلسفى (حوار مع امونيوس) أو(خلقة العالم). ثم حياة اشعياء، وبطرس الايبيرى الذى وصلنا منه بضعة أسطر فقط بالسريانية، وسبعة فصول عن المانويين. فضلا عن كم من الكتابات المنسوبة اليه، والتى يدعوها الدارسون الغربيون "الأعمال المنحولة لزكريا". وهى على أية حال لا تهمنا كثيرا هنا. وله "سيرة ساويرس الأنطاكى"، وقد حُفِظت فقط فى الترجمة القبطية لها([16]). وهذا العمل محذوف فى الترجمة السريانية لأعمال زكريا، ربما بعد حرم المجماع الخلقيدونية اللاحقة لساويرس وأتباعه. ثم "تاريخه الكنسى" موضع انشغالنا هنا، وقد كتبه أصلا مثل سائر أعماله الأخرى باليونانية. وهذا شهد انتشارا واسعا لم يستطع المؤرخ الخلقيدونى القريب العهد منه واللاحق له ايفاجريوس الذى من مدينة ابيفانياEpiphania الواقعة على نهر أورانتس (= العاصى) بسوريا، أن يقضى على مخطوطته فألف تاريخا([17]) يحاول أن يدحض به عمل زكريا هذا. ويبدو أن الغرب والشرق الخلقيدونييَّن قضوا على الأصل اليونانى بصورة أو بأخرى، لكن الله لم يشأ أن ينمحى هذا العمل بالكلية، فكان أن أدمج مؤرخ سورى من القرن الثانى عشر، هو ميخائيل السورى، فى تاريخه باللغة السريانية، أجزاء كبيرة من مؤلف زكريا هذا بعد أن ترجمه من اليونانية إلى السريانية. وقد حُفِظت نسخة من مخطوطة هذا المؤرح الثانى، بدير السيدة العذراء الشهير بالسريان، بوادى النطرون فى مصر. إلى أن انتقلت ضمن مجموعة اشتراها الرحالة من الدير فى القرن التاسع عشر إلى مكتبة المتحف البريطانى([18])، فنشر land نصها عام 1870م وأضاف اليها مخطوطة ترجع إلى حوالى سنة600م. ويغطى تاريخ زكريا البليغ الفترة حسبما يذكر فى التمهيد من 448م – 569م ولكن ما وصلنا منه يقف عند أحداث سنة 556م. ترجمات "التاريخ الكنسى" لزكريا كان أول من تصدى لإستخلاص التاريخ الكنسى لزكريا من عمل ميخائيل السورى، فى المخطوطة المعنونة بديونيسيوس وترجمتها إلى الإنجليزية، هما الدكتور هاملتون والسيد/بروكس سنة 1899م. وهذه هى الترجمة التى اعتمد عليها المعرب هنا بصفة أساسية. ولكن، وكما يذكر بروكس نفسه فى المقدمة التى وضعها للعمل، كانت هناك صعوبات جمة فى اختيار "القراءة" المناسبة للكثير من الكلمات السريانية الواردة فى النص. ومن هنا كانت الغالبية الغالبة لهوامشه عرض الكلمة محل البحث بالخط السريانى كما وردت فى النص ثم تقديم الاقتراحات التخمينية لقراءتها. وطبعا هذا غير متاح فى طبعتنا هذه. لذلك قام المعرب بإدماج اقتراحه فى تعريب المتن، والاشارة إلى رأيه متى لزم ذلك فى الهامش، مرفقا بكلمة بروكس أو المترجم([19]). ويعطينا بروكس نبذة مختصرة فى مقدمته لترجمته، لا بأس أن نوجزها هنا: الفصل الأول من الكتاب الأول -----> مفقود بالكامل. الفصل الأول من الكتاب الثانى -----> محذوف. والكتب 2-6 كلها تقريبا كنسية. هى إلى حد بعيد كاملة هنا. أما الكتب الباقية (7-10) فهى لسوء الحظ قد وصلنا منها قصاصات. فالكتاب العاشر الذى يستمر فيه التاريخ إلى سنة 548م، لدينا منه رؤوس، أو عناوين، الفصول كاملة وأجزاء من الفصول ذاتها. وقد استطعتُ (أى بروكس)، استرداد بعض الفصول المفقودة من عمل ميخائيل. ومن قصاصات من يعقوب الذى من اديسا. -----> الكتاب الحادى عشر، مفقود كله. والكتاب الثانى عشر، لدينا منه قصاصة تغطى فقط من الفصل الرابع إلى منتصف الفصل السابع وهى تتناول الفترة 553-556م. أما بداياته إلى موضع ما من الفصل الرابع، فهو أيضا مفقود. وهذه الأجزاء المفقودة، واضح أنها، كما يقول، مفقودة من زمن مبكر، إذ لم يعثر عليها فى المخطوطة التى ترجم منها. ولأن ترجمة 1899م كانت عملا مشتركا بين الدكتور هاملتون، والباحث بروكس، لذا يقول بروكس أن ترجمة الكتب 3-7 هى من د/هاملتون. اما ترجمة الفصل التمهيدى، والكتب 8-9 وقصاصات ك10 و 12، فهى منه. ثم فى سنة 2011م، صدرت ترجمة أخرى لذات العمل من اعداد روبرت فينكس وكورنيليا هورن، عَلِمنا بها بعد الانتهاء من تعريبنا للنص حسب ترجمة بروكس كما قلنا. وعندما تصفحناها، لم نجد اختلافا يُذكَر. وقد قام المعرب، بالاسترشاد بها فى بعض المواضع القليلة التى شعر بتباين الدلالة بين ترجمة بروكس،...