بين يدي القارئ كتاب "الثورة الرومنسية" للأكاديمي البريطاني تيم بلانينغ أستاذ التاريخ بجامعة كمبردج الصادر بالإنكليزية سنة 2010، نقله إلى العربية عبد الودود العمراني كونه مرجعاً تاريخياً وأدبياً وفنياً فائق الأهمية.
كتاب "الثورة الرومنسية" للبريطاني تيم بلانينغ. عبارة عن دراسة بحثية للحركة الرومنسية التي بدأت في منتصف القرن الثامن عشر و اتسعت في القرن التاسع عشر في أوروبا. يعتبرها الباحث الثورة الثالثة التي ساهمت في تغيير العالم الحديث إلى جوار الثورة الفرنسية و الثورة الصناعية. و هي ثورة بحق غيّرت مفهوم الإنسان للفنون و الآداب بمختلف مجالاتها على مستوى الممارسة و التلقّي. الشعر، الرواية، المسرح، الموسيقى و الرسم و التشكيل ... الحركة التي رفعت مكانة الفنان و قدّست الفن، و ساهمت في تغيير الوعي الجماهيري للتلقي.
الرومنسية غيرت من تفاعل الفنان و الأديب مع واقعه.. و رفعت من مستوى هذا التفاعل، إلى تفاعل نفسي و داخلي و ليس تفاعل مجرّد من الأحاسيس. في موضوع "أيقونة العبقري" يشير تيم بلانينغ إلى أحد الفنانين التشكيليين الرواد في الحركة الرومانسية وهو كسبار دافيد فريدريش بقوله: "يُفترض أن لا يرسم الرسام ما يشاهده أمامه فقط، بل أن يرسم كذلك ما يراه في داخله. و إذا لم ير شيئًا في داخله، فعليه أن يتخلى أيضًا عن رسم ما يشاهده أمامه" عبارة فريدرش هذه، ترسّخ قيمة الفن في داخل الإنسان و أن الرومنسية نظرت إلى الفنون و الأداب باعتبارها اشتغال داخلي في الإنسان أكثر من كونها متأثرة بمؤثرات خارجية.
يؤخذ على الكتاب اللغة البحثية الجافة و لغة الأرقام اللتان تضعفان الاتصال الحميم للقارئ مع الكتاب. لكنه كتاب مهم للباحثين و مفيد للمبدعين في مختلف مجالاتهم الابداعية للتعرف على حركة ساهمت في تغيير نظرة الإنسان للفنون و الأداب.
يرى المؤلف أن هناك ثورتان مهمتان أثَّرتا بشدة في العالم الحديث هما "الثورة الفرنسية" (أم حقوق الإنسان والحريات المدنية) و "الثورة الصناعية" (أم التكنولوجيا والتصنيع). ثم يضيف أن هناك ثورة ثالثة أثرت في عالمنا الحديث بشدة ولكن لم يُعرها المؤرخون العناية الكافية، ألا وهي "الثورة الرومنسية". ويفسر أن هذه الثورة وراء مفهوم الفنان الفردي المعاصر والقيمة التي أصبحنا نوليها للأعمال الفنية. كما إنها شكلت نظرتنا إلى العالم، نظرة لا يطغى عليها العقل لوحده، بل فيها مكان للمشاعر والأحاسيس الإنسانية
بعد أن أنهيت الكتاب أستطيع أن أقول أنه أحد الكتب التي ترغب لو أنها تقبل باعتذارك لانتظارها في رفوفك لفترة طويلة ...قبل أن تعطيها حقها بالقراءة والإندماج والدهشة والتماهي معها ...
الكتاب مع صغر حجمه إلا أنه نص فكري ومبحث اكاديمي رصين وباذخ ولم يطرق بابه كثيرا ، "على الأقل في المكتبة العربية" .
منذ عصر الأنوار قد خرجت للمطابع العديد من الدراسات المعنية بالحداثة ، وما وصل للقارئ العربي تحديدا كان ذلك الجزء المتعلق بالحداثة في مظهرها الفكري ...
إن هذا الأسلوب من التورخة قد تسبب في نقل صورة مشوهة عن الانسان الغربي (النخبوي) ، فالغربي في المخيلة الشرقية هو ذلك الرجل المفرط في العقلانية ، المتمترس خلف جداول الحساب ومناظير المختبر ...
لكن مالم يسلط عليه الضوء .. هي تلك المحاولة المتمردة اليائسة التي صرخت أمام حالة الترشيد والاختزال .. وهي الحركة أو (الثورة) الرومانسية كما يطلق عليها المؤرخ الانجليزي تيم بلانينغ .
ما يضيفه الكتاب أيضًا إلى رصيد القارئ ، فمع كل ما تمت كتابته حول الحداثة الغربية ونقله إلى الثقافة العربية ، إلا أن هنالك جزءًا لا زال متواريًا لم يأخذ حقه من العناية والدراسة والملاحظة، مع ماله من اهمية، وماله من انعكاس مباشر في حياتنا اليوم ..
ألا وهو كيف ترجمت الحداثة نفسها، في تيارها الرومانسي تحديدا في الجماليات والأدب ؟!
في القصة والرواية وفي الموسيقى ، في الرسم ، في العمارة ؟؟! .
لأن النسيج الفكري والفنّي مرتبطان وكلاهما يتعلقان بالتاريخ فتيم بلانينغ هنا أستاذ التاريخ بجامعة كامبريدج يحكي فصلاً من فصول الحكاية بطريقة مغايرة تفتح عينيك لصراع الإنسان في إثبات مركزيته الفنية وتعبيره الذاتي وانطلاقته الداخلية من أعماقه للعالم وليس من العالم للعالم، ثم تمسّك بهذه الفكرة أكثر في عصر مابعد الحداثة بعد خيبة أمل الإنسان في عصور العقل والعلم.. آخر ثلاث أسطر من الكتاب تسبّب القشعريرة وتتركك متسائلاً حائراً عما يخبّئ المستقبل.