ابن المعتز الشاعر والأديب والأمير، اسم لامع في سماء الأدب والشعر، له مواقف وآراء نقدية وأدبية مبثوثة في كتب التراث والأدب، محب للشعر والشعراء، عاش في بيت الخلافة يرى أخوانه وأبناء عمومته يُنصّبون خلافاء وعندما جاءت الخلافة منقادة له لم يهنأ بها سوى يوم وليلة، ثم جرّت عليه الويلات فقُتل بعد ذلك..
ابن المعتز أول من ألف في علم البلاغة كتابه المشهور (البديع) ، ويعد كتابه هذا طبقات الشعراء من الكتب التي أوردت مختارات شعرية وأخبار شعراء قد لا تجدها في كتب التراث الأخرى، وإن كان بعضها قد رواه الأصبهاني في الأغاني، ورواه ابن قتيبه والجاحظ. سبب قراءتي لهذا الكتاب هو أنني توسعت في قراءتي لسيرة ابن المعتز فعندما قرأت بعض شعره، تعجبت لماذا عزف قراء الأدب عن ذكر هذا الكتاب وولماذا لا يرد ذكره كثيراً مثل كتاب الأغاني أو الشعر والشعراء للابن قتيبة أو كتب الجاحظ.. السبب الآخر هو معرفة الذوق الفني لهذا الأمير الذي عاش في كنف الخلافة، كيف سيختار الأدباء المعاصرين له وكما قيل "المعاصرة حجاب"، وبأي مقياس سيعاملهم في انتقائه ؟ وهل هناك فرق منهجي في مختاراته ومختارات من سبقه؟ عبدالله بن المعتز اختار مجموعة من شعراء عصره وما يسمونهم بـ(المحدثين) وسبب اختياره لهم حسب قوله "أن لكل جديد لذة"ولأن هذا الشعر أصبح متداولاً عند العامة والخاصة يرويه الصغير والكبير. لذا نجد عند انتقائه لشعر الشعراء يترك في الغالب الشعر المشتهر للشاعر ويذكر اشعار الشعراء غير المشتهرة، ولعل هذا السبب هو الذي جعل الكتب اللاحقة له تعتمده كمصدر في تراجمها للأدباء وفي أخبارها مثل الصفدي في كتاب الوافي بالوفيات، والعُمري في مسالك الأبصار،وغيرهم كان اختيار ابن المعتز للشعراء موفقاً حيث نوّع بين الشعراء المشتهرين والشعراء المغمورين فذكر بشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبو العتاهية، وأبو نواس، وفي الجانب الآخر ذكر شعر بعض المجانين وبعض الشواعر من الإماء والجواري. على أنه أهمل كثير من شعراء عصره من مثل ابن الرومي ، وديك الجن ويحيى بن زياد ، ولعل للخلافات سبب خفي في ذلك. ابن المعتز حذا حذو من سبقه في كتب المختارات فهو يبدأ بأخبار الشاعر وما اشتهر به في حياته ثم يُورد مقطعات شعرية من شعره . وقليل جداً أن يُعلق ابن المعتز على شعر من الأشعار، إلا أنه لا يخفي إعجابه في بعض المواقف فيقول معلقاً على أبيات والبة ابن الحباب، والتي كانت سبباً في صحبة أبي نواس له هي: ولها ولا ذنب لها **حبُ كأطراف الرماحِ في القلب يجرح دأئماً**فالقلبُ مجروح النواحي يقول ابن المعتز : "وهذا لعمري كلام دونه السحر"، ويقول عن بيت الحارثي : إذا نال من أقصى عرا المجد غاية**سما طالباً من تلك أسنى وأرفعا يقول : "هذا البيت سجدة للشعراء، ولو لم يكن في كتابنا إلا شعر الحارثي لكان جليلاً" .
لقد بذل المحقق : عبدالستار أحمد فراج جهداً عظيماً في إخراج هذا الكتاب، ووضع له فهارس أعلام، وذكر ترجمة كل شاعر لمن أراد الاستزادة عمن أورده ابن المعتز في كتابه، فله كل الشكر والامتنان على هذا التحقيق المتقن