عندما احتلت القوات النازية فرنسا سنة 1940 ظهرت حركة واسعة من حركات المقاومة ضد الاحتلال النازي، و كان الادباء و الفنانون في طليعة هذه الحركة التي كانت تهدف الى القضاء على الاحتلال و تحرير الوطن ، بعد أن سقط الجيش الفرنسي أمام الغزو النزي و قصة 'صمت البحر' من أروع الاعمال الفنية التي ظهرت في مرحة المقاومة الفرنسية ضد النازية .. إنها قصة رائعة ، و أنشودة عذبة من أناشيد المقاومة ضد الاحتلال الذي لم يستطع و لن يستطيع في يوم من الأيام أن يستحق كرامة الانسان. أما القصة الثانية " سداسية الأيام الستة" فهي قصة عربية كتبها إميل حبيبي و إسمه المستعار أبو سلام و هو أديب من أدبائنا العرب الذيين يعيشون في الأرض المحتلة داخل أسوار إسرائيل، و قصته عمل أدبي رائع، و وثيقة فنية صادقة يقدمها أديب من أدباء المقاومة في الارض المحتلة عن مأساة 5 يونيو .. وقد نشرت هذه القصة في مجلة "الجديد" العربية التي تصدر في الارض المحتلة ، و نشرتها مجلة "الطريق" اللبنانية بعد ذلك ، و تقدمها روايات الهلال لاول مرة في كتاب إن "صمت البحر" و "سداسية الايام الستة" نموذجان بديعان من نماذج أدب المقاومة .. وهما خير ما يمكن أن يقرأه القارئ العربي في شهر يونيو .. بعد عامين من العدوان الصهيوني الشامل على الأرض العربية ، وفي هذه الأيام التي تشتعل فيها المقاومة العربية فوق أرضنا من أجل التحير الكامل
كتابان في كتاب. أدب المقاومة الرقيق ربما، والمؤثر أيضا.. الأول: صمت البحر .. بدأ شعوري تجاه القصة أنها راقية وهادئة ومؤكد ستترك أثرا.. لا يقابلنا كل يوم قصة إسمها بهذا الهدوء والجمال وأيضا اسم كنغمة وتر هادئة ممتدة للأيد. فيركور.. ليس اسم المؤلف الحقيقة، هو اسم منطقة بفرنسا استعان به المؤلف شأن غيره فيمن يؤلفون الكتب أثناء وجود الألمان. اسم هو الآخر يسير على نهج اسم القصة، ثم ما إن تبدأ في القراءة حتى تجد نفسك مأخوذا وسائرا بهدوء وخفة وصمت، وكل هذه الانفعالات داخلك فقط. ثم أتساءل ما الذي جاء أولا من الثلاثة؟ هذا الإسم؟ أم الاستعارة؟ أم الانفعالات للأفراد الثلاثة المتواجدين في غرفة واحدة؟ غرفة ضمتهم والكتب والبيانو ومتحدث واحد بالقليل من الكلام، واثنان صامتان كالبحر..! "أتمنى لكما ليلة سعيدة" هذا ختام كل ليلة وأمسية من الليالي جميعها التي تبدلت فيها المواسم. صورة من أدب المقاومة حينما يخاطب الجميع بلسان الغالب الحالم.. لفتة جيدة بأن المحارب العادي والرتب الأقل هي أنت وأنا.. من يحبون الفن والموسيقى والأدب والشعر والعلوم ويتشاجرون من هو أفضل: الرافعي أم العقاد؟ من أشعر العرب؟ وما القول في ابن رشد والغزالي؟ من أفضل؛ تولستوي أم ديستيوفيكي؟ أما الآخرون. .فهؤلاء ما ان نصطدم بهم ويظهرون الأمور على حقيقتها والأهداف الحقيقة والتي لاعلاقة لها بالبناء الذي يحافظ على الإرث والجمال ويطوره ويلحق به ويلحق عليه، إنما بالبناء الذي يبدأ بالهدم أولا.. هدم كل شيء! ... قرأت القصة بترشيح من أحمد كساب، وبذهني دائما وباذني صورة أحمد شاكر وصوته وهو يخبر بإسم الرواية والمؤلف، محركا يده أفقيا كموجة تتهادى.
بالكتاب مجموعة أخرى هي سداسية الأيام الستة لإيميل حبيبي وهو من الكتاب بالأراضي المحتلة، وهي أول ما أقرأ له. يكتب بطريقة جميلة. أعجبتني، ولا أعرف لم وأنا أقرأ تذكرت كتاب "الجوشن".. ست قصص تشترك في الغاية والاشارات المتتالية عن بداية الشتات والأحلام بالعودة والرجوع والعروبة.. لا غرابة، فالكتاب طُبع في يونيو ١٩٦٩.. أي مر عليه واحد وخمسين عاما! .. قصة صمت البحر كتبت في أكتوبر ١٩٤١، ومؤكد كتاب ايميل بعد نكسة يونيو ١٩٦٧.. الكتاب ورقه أصفر نجى من الكثير على ما يبدو.. سائل ما ضم أوراقه وترك أثره على كل صفحاته، وأطراف مهترئة، تنقطع بعض واحدة عند قلل الصفحات، لكنه لازال حاضرا به رائحة الماضي.. حضور يليق بكتاب مقاوم، كمواضيع قصصه.
المقاطعة مقاومة رواية ’’صمت البحر‘‘ إحدى الروايات المصنّفة كأيقونة لأدب المقاومة رغم عدد صفحاتها القليل الذي لا يتجاوز 60 صفحة في بعض الطبعات! كتبت الرواية خلال الاحتلال الألماني لفرنسا على يد أحد المقاومين الوطنيين تحت اسم مستعار ’’فيركور‘‘ ونشرتها لأول مرة دار ’’منتصف الليل‘‘ التي أسست خصيصًا لطباعة كلّ أشكال الأدب المحرض على المقاومة في هذه الفترة.
تأتي أهميّة الرواية من أنها صورت كيف يمكن للمقاومة السلبية عن طريق (الصمت) و(مقاطعة العدو) أن تكون فاعلة وقاتلة ومؤثرة.
تُروى الأحداث على لسان شيخ فرنسي يعيش مع ابنة أخيه في إحدى قرى فرنسا التي يحتلها الألمان، ويُجبر أهلها على استضافة الجنود في بيوتهم، فيُفرض على الشيخ أن يستضيف ضابطًا شابًا مولعًا بالثقافة الفرنسية، ويحاول أن يتخذ منها مدخلًا للتواصل مع أهل البيت. بيد أن الشيخ وابنة أخيه يلوذان بالصمت المطبق كلما حاول الضابط التحدث إليهم حتى صار يأتي كلّ مساء فيقف أمام المدفأة ويتحدث وحده دون أن يتلقى منهما سوى التجاهل، وهكذا حتى يتوقف فيلقي عليهما تحية المساء وينسحب إلى غرفته.
رغم ما أدت إليه الألفة والزيارات الليلية المتكررة من الضابط إلى غرفة المدفأة وما اكتشفاه من جوانب شخصيته الإنسانية من تبلور بعض المشاعر نحوه، فإن الشيخ والفتاة قمعا هذه المشاعر ولم يتخليا عن صمتهما.
في النهاية يضطر الضابط إلى الرحيل عن المنزل بعد أن أدرك أن احتلال الأرض لا يعني بالضرورة احتلال الروح.
أمّا قيمة الرواية الفنيّة فتكتسبها من محاولة انتصار الكاتب للإنسان والوطن في معادلة واحدة، فيخلق صراعًا داخليًا بين الحب والكراهية، والقبول والرفض، والفرد والوطن.