لماذا تمرد ابليس ؟ ... قصة ذلك معروفة , جاءت بها الكتب السماوية ولا سبيل الى الشك فيما روت . . . ولكن خيال الروائى يجنح أحيانا إلى إختلاق صور أخرى للحادث الواحد , ولا بأس من عرض إحدى هذه الصور على سبيل التفكه ... لا الاعتقاد ...
جاء فى تاريخ أبى الفدا ان إبليس قبل ان يرتكب المعصية ويناهض ربه , كان إسمه "عزازيل" ... وكان من أشرف الملائكة من أولى الاجنحة الأربعة ... وكان رئيس ملائكة السماء , وكان خازنا على الجنان ... وكان له سلطان الأرض , وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما , وأن الله لما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل ابليس على الملائكة , فوقع فى صدره : " انما أعطانى الله هذه المزية لى على الملائكة "...
وتبدأ قصتنا هذه المخترعة وبعد ان تم خلق ادم , خلقه الله بيده ... إذ لبث جبريل فى الارض ليأتيه بطين منها يصنع منه أدم ... فلما مد جبريل يده الى الارض فزعت وقالت : اعوذ بالله منك ان تنقض منى , فرجع الملاك ولم يأخذ .. فبعث الله ميكائيل فكان حظه مثل حظ جبريل .. فبعث الله فى اخر الامر ملك الموت ... فما كادت الارض تقول له : اعهوذ بالله منك انـأخذ منى ... حتى قال لها : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمر ربى ... ومد يده وقبض من وجه الارض قبضة ... ولم يأخذ من مكان واحد , بل أخد من تربة بيضاء وحمراء وسوداء ... ولذلك خرج بنو ادم مختلفين فى اللون ... وخلق الله من هذا الطين جسد أدم , فلما مرت به الملائكة فزعوا منه ... حتى ابليس ... كان يمر به فيضربه فيصوت الجسد الاجوف كما يصوت الفخار , وتسمع له صلصلة ... ثم نفخ الله فيك بعد ذلك من روحه ... فلما دخلت الروح فى رأسه عطس ... ولما دخلت الروح فى عينيه نظر الى ثمار الجنة ... فلما دخلت الروح فى جوفه اشتهى الطعام . وتم الله خلق أدم ... فجاء خير ما خلق وأعجب ما أبدع , فامر الملائكة أن يسجدوا لهذه الأية الرائعة فسجدوا كلهم إلا إبليس ... نظر إلى تلك المعجزة مليا , ثم لوى عنقه وهز كتفيه , ومضى فى الجنة يسير مستخفا بما رأى , مستكبرا أن يقع ساجدا لمخلوق من طين , وقابلته الحية الذكية وقد علمت بالخبر , فاستوقفته صائحة :
- يا عزازيل ! ... مالك ؟ ... لماذا لم تفعل كما فعل الاخرون ؟ ...
- أنا أسجد لهذا الشىء ؟ ! ...
- لا تدع الحسد يأكل قلبك ... اعترف أنه عمل عظيم ...
- ماذا فيه من عظم ؟ ... أهو ذلك الطين الذى خلق منه ؟ ...
- ذلك الطين افضل على كل حال من النار التى خلقت منها ...
- ماذا تقولين ايتها الحية الخبيثة ؟ ...
- إن الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو ...
- أولا تعلمين ماذا فى النار؟
- ماذا فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق ؟ ...
- ما أنت إلا النفاق صور وكور ! ...ألل أن الله هو الذى خلقه ؟ ...
خلقه بيده ونفخ فيه من روحه , وعلمه أسماء كل شىء ... وهذا شرف ما بعده شرف ...
- علمه اسماء كل شىء ؟ ...
- نعم ... لأنه أعطاه العقل الذى به يعلم ويفهم , وأعطاه النفس التى بها يعى ويدرك , وأعطاه القلب الذى به يشعر ويحب ... إنه ليس على غرار الملائكة , مخلوقا يفنى فى العرش كل الفناء ... إنه متصل منفصل ... إنه مندمج مستقل ... إنه قدير على أن يفكر بنفسه , وأن يعيش حياته ... وأن يقرر فى بعض الأحيان مصيره , كأنه مصغر إاله ... أو صورة صغيرة لإله ...
- لقد نفخ فيه من روحه ! ...
- ارأيت ! ... هو ذاك يا عزازيل ... ان الاوان أن تفهم ذلك ...
- ان الاوان ان أفهم إن فى إمكانى أنا ايضا أن أصنع أشيائا أنفخ فيه من روحى ! ...
قالها كالمخاطب نفسه , ومضى سريعا ختى لايطرق سمعه صوت ضحكات الحية الساخرة ...
انطلق غبليس فى كل مكان يبحث عن الطين حتى وجده , فتناوله فرحا , وجعل يثوى منه مخلوقا على كثال بنى أدم , وتمت الصورة , وانتظر أن تنبض أوتنهض , فلم يجد إلا جمادا لا حراك به ... فترك ما صنع وانطلق يائسا ساخطا , يحمل المرمرة والخيبو ويريد أن يكتم ما وقع ... ولكن الحية الذكية علمت بالأمر فبادرته قائلة :
- فهنت الان ، الخلق ليس هيبنا !؟
- اخرسى !...
- ادم ليس هو الطين ... بل "الحياة" التى اودعت الطين ... ذلك هو "روح الله" ... هذا هو سره الذى لم يكشفه أحد , حتى ولاأنت الذى زعمت أك استرقت واجتهدت واطلعت على أكثر علمه..
- سر الحياة ! ...
- نعم ... الذى يودعه الطين أو التراب أو النار أو الماء , أو اى عنصر من العناصر ... ذلك هو السر الأعظم ّ ...
- كيف الحصول عليه ...
- هذا ما لاسبيل له ... تلك صفة الله التى لا تنفصل عنه ولا ينفصل عنها ... إنها روحه التى لاتعطى ولا تفقد ولا تسلب ... وهو وحده الذى يستطيع أن ينفخ منها بإرادته فى الكائنات ... – لابد لى مع ذلك أ، أخلق شيئا ...
-شيئا حيا ؟ ...
- نعم ...
- لن تستطيع أن تخلق شيئا حيا من مادة ميتة ...
- اخرسى أيتها الثرثارة ! ...
وتركها وانصرف مطرقا مفكرا ... ومشى فى الجنة على غير هدى ... وإذا المصادفة تقوده الى شجرة وارفة الظلال
دانية القطوف ... وأذا هو يبصر تحتها ادم راقدا غارقا فى نعاسه ... فوقف على رأسه يتأمله ... وخطرت له فكرة أنعشته بالأمل ... حقا إته لن يستطيع أن يصنع مخلوقا حيا من مادة ميتة كالطين ... ولكنه قد يستطيع أن يخلق كائنا حيا من شىء حى ... فلو استطاع أ، يأخذ من جسم ادم الحى قطعة , لكان فى الامكان أن يصنع الباقى ... ولكن ماذا يأخذ ؟ ...
الأنف ؟ ... هذا عضو ظاهر , وإذا استيقظ بغير أنفه , فلن يكون هو الأضحوكة ... بل الأضحوكة إبليس الذى سيظبط متلبسا بالسرقة , وسوف تكون قهقهة الحية عندئذ عالية صاخبة ...
كلا ... فليبحث عن عضو غير الأنف ... ماذا ؟ ... القدم ؟ ... وبماذا يمشى ادم ؟ ... اليد ؟ ... وبماذا يأكل ؟ ... اللسان ؟ ززز وبماذا ينطق ؟ ... كلا ... يجب ان يكون العضو المسروق غير ظاهر وغير نافع ... وتحسس إبليس برفق جسد ادم , فوجد الأضلاع .. إنها ليست ظاهرة , وهى كثيرة لاتظهر فيها السرقة إذا استلب أحدها ... فليأخذ هذا الأقصر الأيسر من بين أضلاعه , ففيه تتوافر كل الشروط ... فهو مستتر منزو لافائدة فيه , ولن يشعر بفقده , حتى ولا ادم نفسه ...
واستل ابليس الضلع الحى بخفة ومهارة , وسواه على صورة ادم , ولكنه تصرف قليلا , ووضع شيئا منه ... وانتصب ذلك المخلوق الجديد يتمطى ... وعندئذ ارتفع صوت من بين الأشجار يقول :
- مرحى ... مرحى ! ...
فالتفت ابليس , فإذا هى الحية واقفة على رأسه , مطلعة على فعله , فبادرها بلهجة الظافر :
- ما رأيك الان ؟ ...
فقالت فى ابتسامة خبث , وهى تنظر ألى المخلوق الجديد :
- بديعة حواء ! ...
فنظر إبليس الى الحية مستفهما مستغربا
- "حواء" ؟! ... لماذا تسمينها هكذا ؟ ...
فأجابت الحية بمكر ودهاء :
- لأنها صنعت من شىء حى ! ...
- أبصرت إذن كل ما حدث ؟ ...
- وسأكتم سرك ... لاتخش شيئا ...
- أسائل نفسى دائما : لماذا لاتكون أصدقاء ؟ ... إنى أحمل لك أيتها الحية كل تقدير , وأحمل لذكائك كل إعجاب ...
أتريدين ان أخصك بسر اخر ؟ ... لقد كنت أفكر فيك وأنا أصنع هذا المخلوق الذى سميته "حواء" ! ...
- كما كنت تفكر فى نفسك ...
- أحقا ما تقولين ؟ ... أترين فى هذا المخلوق شىء منى ؟ ...
- بلا شك ... انظر الى حركاته ... والر رشاقته .. بل الى بريق عينيه .. إن فيه أثرا من الطين , ولكن فيه أيضا لفحة من النار .. انظر ... انظر ... فى حواء بعض ما فيك : الطيش والخفة والسرعة والإحراق ...
وعندئذ دوى فى أرجاء الجنة صوت ارتعدت له فرائص ابليس والحية ... فهربا مذعورين جزعين ... واستيقظ ادم من سباته , فألفى حواء بقربه ... فلم يفهم من أمرها شيئا .. ولبث لحظة يتأملها دهشا ... إلى أن ألقى فى روعه علم خفى بما ينبغى أن يفعل , فليسكن إلى حواء إذا شاء ... ولكن الحذر كل الحذر أن يقريها أو يلمس جسدها جسده ...
وعلم إبليس بالأمر ... فأقبل على الحية يسألها :
- لماذا حرم على ادم لمس حواء ؟ ...
فأجابته على الفور :
- أو نسيت أن بها شيئا من النار ؟ ...
ففكر إبليس قليلا , ثم قال بارتياب :
- لا أظن هذا كل شىء ... إنما المقصود فيما أرى هو أمر أخطر من هذا ... ترى ماذا يحدث لو امتزج هذان المخلوقان ؟ ...
ففكرت الحية لحظة ... ووقع بصرها مصادفة واتفاقا على عش طائر فى أعلى الشجرة , فصاحت :
- يحدث لهما ما يحدث لهذا الطير ... يتناسلان ...
- يتناسلان ؟ ...
ويخرج منهما مخلوق ثالث ...
فصاح إبليس :
- نعم ... هنا المسألة ... وهنا علة الخطر ... ولكن لماذا لا يراد خروج هذا المخلوق الثالث ؟ ...
- لأنه سيكون فيه شىء منك ... هذا مفهوم بالبداهة ... إن ادم, ذلك العمل العظيم الذى يفخر به الخالق ... تلك الاية التى نفخ فيها من روحه ... يجب أن تبقى هكذا بمفردها صورة خالدة ناطقة بمقدرة المبدع الأعظم وكماله الأبدى , الذى لايشوبه نقص , ولكن جئت يا صديقى إبليس تفسد هذه الروعة ...
وتريد أن تستخرج من هذه الصورة المفردة نسخا مشوهة ! ...
- هذا لم يخطر لى حتى الان لاحقا ! ... ولكنه لو حدث لكان بالنسبة الى عمل رائعا ... وهل هناك حقا أمهر من أن أملأ الدنيا نسخا من ذلك العمل العظيم الذى يفخر به الخالق ! ...
- لا تسترسل فى أحلامك وأوهامك ... هذا لن يحدث أبدا ...
- لماذا ؟ ...
لأن لادم ملكة عجيبة تسمى "العقل , دائمة التيقظ تمنعه من الزلل والوقوع فى المحظور ...
- العقل ؟ ! ... أو ما من سبيل أن يدهم النوم هذا العقل لحظة ؟ ! ...
- إذا نام ذلك العقل , فقد تم لك ما أردت ...
- ساعدينى يا صديقتى الحية الذكية ! ...
- لماذا تريد أن تعرضنى لغضب خالقنا الألى ؟! ...
- إنه لن يغضب ... لماذا خلق لك الذكاء إذن ؟ ... لقد أعطاك الذكاء كى تستعمليه ... هلمى يا صديقتى ساعدينى ...
- قولك مقنع حقا ... ليس أشق على النفس من أن نعطى شيئا لا نستعمله ... أمعقول أن تكون لى هبة لافائدة منها ؟! ...
- بل ليست تلك ولا ريب إرادة الخالق الذى أعطاك الذكاء يا صديقتى , إنه أحكم من أن يعطى شيئا لغير شىء ...
- صدقت ... اسمع إذن ... هنا شجرة فيها فاكهة إذا نضجت واختمر عصيرها أحدث عجبا ... فقد رأيت بعض الطير ينقرها فتحدث له أجوال غريبة ... ويقع فى نشوة تفقده إتزانه ...
- دلينى على هذه الشجرة ...
وعند ذاك دوى فى الجنة ذلك الصوت العظيم , فهرب إبليس والحية مذعورين .. ووقع ادم وحواء على وجهيها ساجدين ... ثم ألقى فى روعهما ألا يقربا هذه الشجرة ... ولم يقنط إبليس , فقد عاد بعد قليل الى الحية يقول :
- ما العمل ؟ ...
- دعنى ... دعن ... لن أشاركك بعد الان فى مشروعاتك .
- وماذا ستصنعين إذن ؟ ...
- لاشىء ...
- وهل يطيق ذهنك المتقد أن يخمد أو يكسل ؟ ...
- إنى أخشى الخطيئة ...
- لاتنقعنى بهذا الكلام البارع ...
- أنت كائن حى ... أليس كذلك ؟ ... وأنا كائن حى ...
هل نشك فى ذلك ؟ ... الحياة التى فينا هى وحدها التى تسيرنا كما تريد هى , نحن لا نخضع إلا لطبيعة الحياة التى ركبت فينا ... لم يوضع فى كياننا "عقل " كما وضع فى ادم ... ذلك العقل أو العقل والقيد أو الحبال التى تكبل حياته وتحد من نشاطه , وتسيره طبقا للأوامر والنواهى التى تصدر إليه من هنا ومن هناك ! ... افعلى ما تمليه طبيعتك يا صديقتى , فانت حرة من كل عقل ...
- مثلك
- مثلى ...
- لقد حلت معضلتك إذن ... إن فى حواء ولا ريب شيئا منك ... لن نجد فيها إذن الكثير من ذلك العقل الذى نخشاه ...
- يا لذكائك النادر أيتها الحية العزيزة ! ... نعم ... نعم ... لا شك أن حواء فيها من روحى ... إنها ستخضع إذن للحياة والطبيعة والغريزة أكثر من خضوعها للعقل ... لقد انتهى الأمر إذن ... إنها ستفهمنى وستصغى إلى ... وستأكل من الفاكهة ...
- وفيها من قوة إقناعك , وبراعة إغرائك , فهى ستظفر بإقناع ادم أن يأكل كما أكلت ... ويصنع كما تريد هى أن يصنع ...
فتهلل وجه إبليس فرحا , وصفق طربا , وجرى من فوره يبحث عن حواء ...
وتم بعد ذلك ما هو معلوم ... فقد ضعف ادم وأطاع حواء وأكل معها من الشجرة , وانتشى من عصيرها وثمل , وامتزج بحواء , وطردا من الجنة إلى الأرض ... وأنبتها الجنين الأول , وتكاثرت الذرية وتعددت "النسخ" وجاء قابيل فقتل هابيل ... وكانت الجريمة الأولى ... وعرف الشر على الأرض ...
واختلطت الصور الجيدة بالرديئة , كما اختلطت الفضيلة بالرذيلة ... وامتزجت النسخ الأصيلة بالدخيلة ... ولم يعد فى الإمكان فرز وريث ادم من وريث حواء ... ولا الكمال من النقصان ... ولا النور من النار ... ولا لمعة الحق من خدعة الشيطان ... امتزجت فى الادم الواحد كل عناصر الخير والشر , والحسن والقبح , والحقارة والسمو , والتفاهة والعظم , والعدل والظلم , والعقل والطيش , والضعف والبطش ...
وكانت الدنيا ...