كنتُ أتمنى وأنا أتصفح كتاب (صقر الخليج) للدكتورة سعاد الصباح، أن أكون بإزاء كتاب في السيرة الذاتية المحضة، وأن أرى كيف تتغلب ذائقتها الأدبية المرهفة على رصانة التاريخ وجهامة الوثائق، وهي الأقرب إلى المشهد والألصق بشخصية الشيخ عبدالله مبارك الصباح (1914م – 1991م ). صحيح أن عرض الكتاب كان عرضاً منهجياً، متتبعاً للمراحل التاريخية، ومستنداً إلى المراجع والوثائق في تدوين السيرة الإدارية والسياسية لرجل بحجم الشيخ عبدالله مبارك، وكاشفاً عن العديد من المنعطفات والإشكالات التي رافقت مسيرة حياته الزاخرة، إلا أن عنصر الغموض ما يزال – برأيي – يرين على أهم مشهد من مشاهد حياته، وهو ما يتعلق باستقالته من مناصبه وهجرته خارج الكويت. ففي صفحة 391/ الطبعة الخامسة، تبدأ الكاتبة الحديث عن موضوع الاستقالة بعد إحداث جملة من التغييرات في نشاط الدوائر الحكومية التابعة للشيخ، الأمر الذي أدى لامتعاظه وتقديمه لاستقالته. ورغم رفض المجلس الأعلى للاستقالة إلا أن الشيخ أصر أن يبتّ فيها الحاكم شخصياً. وفي نص الوثيقة البريطانية:" لم يسحب عبدالله مبارك استقالته، كما لم يقبلها المجلس الأعلى، ولم يتخذ الأمير قراراً بقبولها، وكان ذلك وضعاً غريباً وأزمة غير مسبوقة تواجه نظام الحكم في الكويت". ثم مباشرة يصدر مرسوم أميري بتاريخ 17 يونيو 1961م ينص على تعيين الشيخ سعد عبدالله السالم الصباح رئيساً للشرطة والأمن العام، أي بديلاً عن الشيخ عبدالله مبارك، الذي أعفى نفسه من مسوؤلياته السياسية وغادر الكويت. ورغم إرسال وفد "يحمل رسالة من الأمير يطلب فيها من الشيخ عبدالله العودة للتفاهم، إلا أن الشيخ قال: إن موقفه معروف ورأيه في القضايا موضع الخلاف ليس محلاً للتغيير ". هكذا تتركنا الكاتبة دون أن نعرف ما هي (القضايا موضع الخلاف)! أما حديثها عن الشائعات التي روّج لها المسوؤل السياسي البريطاني عن مدى نفوذ الشيخ عبدالله مبارك العسكري، وامتلاكه لأسلحة، وتخطيطه لانقلاب، فهي مجرد شائعات لا تصمد أمام أدلة ولائه المطلق لأسرة الحكم وحبه لاستقرار الكويت وأمنها كما تقول الكاتبة. وعليه (فالقضايا موضع الخلاف) تبقى علامة الاستفهام الأخيرة في سيرة عبدالله مبارك، الذي كما يبدو فضّل أن تبقى طيّ الكتمان، دون أن يغلق الباب أمام الاجتهادات التحليلية التي قد يصل إليها من يعيد النظر في تفاصيل مسيرته، وانفتاحه على القضايا العربية وميوله القومية وكرهه لسياسات الإنجليز. تقول الكاتبة في نهاية إيرادها لحيثيات الاستقالة: "لقد التزم (الشيخ) الصمت، ولم يدلِ بأي تصريح صحفي حول الشوؤن الداخلية أو الخارجية للكويت على مدى الثلاثين عاماً التي مرت ما بين استقالته ووفاته، أو عن أسباب هذه الاستقالة ".