هذا كتاب عن علم المعنى، هذا العلم الوافد علينا من الغرب بصورته الحالية، ولسنا نعجز أن نجد أوليات كثيرة له في تراثنا الزاخر. الكلام عن الكتاب دائر على محورين أول محور هو المترجم/الترجمة وثاني محور هو الكتاب نفسه. مترجم الكتاب هو العلامة الدكتور كمال بشر، واحد من أبرز المتخصصين في اللغة العربية، أحد كبار دار العلوم العريقة، ورائد من الرواد، له مؤلفات كثيرة في حقل اللغويات، منها على سبيل المثال لا الحصر : التفكير اللغوي بين القديم والجديد، حصل على الدكتوراه من انجلترا، وتتلمذ على يد فيرث أحد كبار اللغويين، ويُكثر ستيفن أولمان الاستشهاد به. ترجمة الكتاب عريقة وهي مضرب المثل في الترجمة المستقيمة الوافية، التي لا تشعر معها أن الكتاب مترجم، بل تراه كتابًا عربيًّا محضًا، والذي أضفى عليه هذه الصفة مسلكُ مترجِمه - رحمة الله عليه - فقد حاول أن يفسر ما أغمض في الكتاب مما يقف حاجزًا بين القارئ والكتاب من لغويات انجليزية، وقد حَوَّل الأمثلة الانجليزية إلى أمثلة عربية لتلائم القارئ العربي، ولذلك فأنت تجد الأمثلة العربية تعرض لك في الكتاب في متنه وهامشه! وهذه الترجمة بهذا تكاد تقف في صف ترجمة الدكتور محمد مندور البارعة لكتاب (الدفاع عن الأدب) لجورج ديهاميل.
المحور الثاني وهو الكتاب نفسه، هذا الكتاب في حقل علم المعنى، وهو حقل جديد، وكما أشار د.كمال بشر فهذه الترجمة هي من أوائل الكتب التي فتحت لهذا العلم نافذة ليطل على عالمنا العربي، وتلته التآليف الأخرى مثل (علم الدلالة) للدكتور أحمد مختار عمر، الكتاب يقع في أربعة أبواب، كل باب يعالج عدة مسائل تخص المعنى، تصحب المعنى بطول الكتاب وعرضه، فتعرف تقريبًا عنه أكثر ما يمكن أن تعرفه، أسباب تغيره، كيفيات تغيره، حقيقته، علاقته باللفظ، طرق توليده، وطرق ابتكار الكلمات وزيادة الثروة اللغوية، وانقراض الكلمات وكيف يحدث، وعلاقة الكلمات بالأشياء.
يُفرد المؤلف لهذه المسائل كتابه ويتناول مسائل أخرى تعرض له أثناء ذلك، فيناقش مسائل مثل : أثر نظرية التطور في علم المعنى خطورة عد الكلمات كائنات حية هل لعلم المعنى خطورة؟ ما أصل اللغة وكيف نشأت؟ وما علاقة اللغة بالفكر؟ (يتكلم كلامًا رائعًا جدا في هذه المسألة وغيرها :] ) هل للمترادفات مزايا وأخطار؟
هذا قليل من كثير يمكن أن يُقال عن هذا الكتاب الرائع، ولي عودة في قادم الأيام أزيد بها هذه المراجعة جلاءًا ووضوحًا، وأذيلها بآراء وتوضيحات متتابعة، تُلقي الضوء على أهمية هذا الكتاب، وضرورته الآن وفي كل وقت.