يصرح [المؤلف] في مقدمته أن الكتاب جاء ردًا على الشبهات الغربية التي تثار عن مسؤولية الإسلام عن ظاهرة المتاجرة بالبشر ولا وضوح أكثر من هذا في تبيين أن بحثه قد حدد نتيجته سلفاً والمهمة المتبقية هي البحث يمنة ويسرة عما يدعم هذه الفكرة! وعندما تتجاوز المقدمة تكتشف أن بحثه الشكلي محدد النتيجة ليس هو الطامة الوحيدة إذ يتفنن [المؤلف] في النسخ واللصق من ستار تايمز وسيدتي وفن خليجي! وهو ينسخ مقال محمود صباغ: خمسون عاماً على إبطال الرقيق -وهو بالمناسبة المادة البحثية الحقيقية الرصينة والوحيدة في الكتاب-. ويمضي الكتاب بلا خطة أو منهج واضحين إلا المحاولات الترقيعية هنا وهناك مما يتضح في فصل الرقيق في الخليج العربي وعمان. وفي فصل علاقة الرقيق بالزار والمزمار يبحث المسألة -إذا بحثها- بنفس مدرسي سطحي، فالزار رذيلة لإنه سفه وإنفاق للمال بغير طائل وما لوحظ من تحوله لحفلات تهتك وعربدة وتلبس الجن بالإنس فكرة مسيحية غريبة، والوثائق آخر الكتاب متروكة بلا وصف أو شرح تفريغ، إن هذا الكتاب مشكلته الأساسية هي المنهج ثم هناك صف من المشاكل الصغرى المتفرقة هنا وهناك أحدها أنه ما فتئ يردد من أن العبودية ليست لصيقة بالسود إلا أن جميع صور العبيد التي أرفقها هي لعبيد سود بل أنه أرفق صورة امرأة تكرونية في جدة ظناً منه أنها عبدة لإن .......؟ من يشعر أن موضوع الكتاب يهمه فليقرأ مقال محمود صباغ المنشور في مدونته فمقاله أثمن ما في الكتاب، وليحفظ ماله.
فرغت قبل فترة من كتاب (مزاد الجواري والعبيد في الجزيرة العربية) للشريف محمد الحسيني، ويقع في (287) صفحة من طبعة (الدار العربية للموسوعات).
الكتاب كان رديئاً من جهة الاستدلال، وفيه أخطاء في التوثيق لا يقع بها الباحث المبتدئ، وهو نسخ المقالات كاملة من المنتديات أو الويكيبيديا. وأشعر أن الكاتب كان يريد أن يتكلم عن العبودية في الحجاز فقط ولكن يبدو أن البعض أشار عليه أن يجعله عن جميع الجزيرة العربية ولعدم إلمام المؤلف بالموضوع على هذا الاتساع قد استعاض بهذه النقولات عن مجاهيل لا تعرف ما هي مصدر أخبارهم.
واما فصله المفضل وهو الكلام عن الحجاز، فاستعاض بكتب التواريخ الغربية على غرار دليل الخليج لتوثيق الأحداث المتعلقة بالعبودية.
ويبدو أنه أسقط الشهادات الشفهية، فالمؤلف ابن الحجاز ولو نقل ما سمعه عن الاجداد ممن عاصروا العبودية، لكانت هذه الشهادات فيها إسهاماً مهم. وقد رأيت أنه نقل عن بعض الكبار ولكن يبدو أن هذا النقل كان نسخاً من أحد المنتديات أو أحد المقالات، فهنالك فوضى في طريقة التوثيق، ولعل الاسهام الوحيد الحصري في الكتاب هي بعض الصكوك الشرعية والتي وضعت في مُلحق الكتاب.
من الواضح أن سوق النخاسة كان نشطاً في الحجاز، وكانت الضفة الموجودة في الجانب الآخر من البحر الأحمر هدف استراتيجي لتجار العبيد! فسكان هذه المناطق (الصومال وإرتيريا وجيبوتي وأثيوبيا والسودان) كانوا أهدافاً لتجار العبيد.
ومع ذلك اختلف العرب عن الغربيين في الصنف المستهدف للعبودية، فالعبودية المباشرة في العالم الغربي تكاد تمس الافارقة حصراً فيما أعلم أو فيما هو مشهور. نعم قد يوجد رقيق أبيض ولكن بنسبة لا تذكر مقابل السود، ولكن في الخليج تجد أنهم استهدفوا عدة قوميات، منها: الأفارقة والبلوش والملاويين (جنوب شرق آسيا) وحتى الصينيين من سانغافورة بل وحتى العرب في شبه الجزيرة العربية نفسها.
وقولي العرب: يعني حصول حروب قبلية والقبيلة المهزومة قد يؤخذ أحد افرادها أو بعضهم كرقيق أو ينتهي بهم المطاف كذلك كقصة عيد بن سالم أحد الذين تم أسرهم في معارك إخوان من أطاع الله كما حكى المؤلف في (ص134)، أو مثل ما يحصل عند اختطاف الأطفال الصغار وبيعهم بسعر مرتفع وقد حكى المؤلف في (ص84) قصة اليمني عبد الله الذي أُختطف من قبل البدو وهو صغير عندما كان يرعى. وكذلك (ص113) حكي عن امرأة يمنية اسمها صفرار يعتقد أنها كانت مملوكة.
والقصة المرتبطة ببلوشستان كانت بارزة لاعتبارين الأول أنها وثقت بشكل مستطرد في كتاب كامل والثاني أنها أرتبطت ببيت أحد الأسر الحاكمة في الخليج، والحادثة المقصودة هي ما حصل لوالدة سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز آل سعود، فأمه اختطفت من بلاد البلوش لثارات قبلية وانتهى بها المطاف في قصور آل سعود وأنجبت ولدها هذا الذي وثق حياتها وحياته في كتابه الشهير (قلب من بنقلان) ثم سحب الكتاب من الأسواق.
وعوداً الى كتاب (مزاد الجواري) فقد تكلم عن تجار ووكلاء الرقيق في الحجاز، وعرض بعض الاحصاءات، وتكلم عن طرق وأساليب الاسترقاق، وعرض جزء من البرقيات والوثائق الغربية عبر القنصليات الموجودة في جدة وعن دورها في معالجة هذه الظاهرة عبر الضغط أو الإلزام، وتكلم عن تطور التجارة واضمحلالها وإنهائها وآفولها في الخمسينيات والظروف المؤدية إلى ذلك.
ويقول المؤلف أن بعد إعتاق هؤلاء العبيد (حمل بعضهم أسماء القبائل والعوائل التي كانوا مملوكين لها)، ومن خلال الهيئة والشكل واللون تستطيع أن تميزهم، وهذه للأسف أصبحت في الوقت المتأخر أشبه بالسُبة والدلالة على أنهم كانوا عبيد لهذه القبيلة أو تلك! بينما لو لم يتسموا باسم تلك القبائل لربما ظن البعض أنهم ممن أتى الى مكة وأستقر بها ثم تنقل بين المناطق ولما عيروا بذلك.
وتكلم المؤلف أيضاً عن تجذر بيع الرقيق في المجتمعات إلى درجة أن أهل مكة أعلنوا الجهاد ضد الأتراك بعد أن أصدر الأتراك مرسوماً يقضي بمنع بين الرقيق، فنظروا الى الموضوع على أنه تحريمٌ لما أحله الله –حسب رواية المؤرخ أحمد زيني دحلان- ويقول هذا الأخير عن أهل مكة (نادوا بالثورة واشتبكوا مع الأتراك في قتالٍ عنيف وامتد القتال إلى المسجد الحرام)! مما دفع الأتراك الى التراجع أو التغاضي عن هذا القرار.
ومن الواضح أن تجار النخاسة قد هدموا كل شيء جميل عن تجار الاسلام الأوائل، والذين أسلمت الشعوب على أيديهم، فجل المستهدفين هم من الشعوب المسلمة!
وبل وذُكرت قصة المرأة المكية التي كانت في ميلاو تحفظ القرآن ثم طلبت من إحدى الأسر أن تأخذ ابنتهم معها عندما تعود الى مكة من أجل أن تحج بها. ولما عادت ادعت هذه المرأة أن هذه الفتاة مملوكة عندها! وحاول أهلها السفر والإتيان بها وتخليصها من عبوديتها، ولم يفلحوا إلا بعد أن أصبح موضوعها متداولاً بين الصحافة الدولية!!!
وتختلف قصص العبيد ونهايتها في الحجاز، فمنهم من يهرب أو يأتي أهله للبحث عنه وتخليصه عنوهٍ أو يعتق فيعود الى أهله. ومنهم من طال به الأمد فلم يرى له أهلاً الا من خدم عندهم فلم يرد أن يُباعدهم. وأحد هؤلاء وهو عبد الله من خطف وهو صغير فلا يتذكر من هم أهله وإلى من يعود ولا يعرف إلا أنه من اليمن.
ثم أصبحت السفارات الغربية في جدة هي الملجئ لمن أراد التحرر، مثل الوضع في شرق الخليج، فكانت الدول الغربية وبالأخص بريطانيا تحرر العبيد اللاجئين إليها عنوةً، وقد اتخذت من محاربة تجارة الرقيق حجة للتدخل في شؤون الدول الخليجية وانظر الى كتاب الدكتور عبد الله التركي (غزاة بأسم الإنسانية) لترى أثر التدخل الانجليزي على عُمان والتي حولتها من أقوى دولة في المنطقة الى دولة منكفئة على ذاتها وتعاني، وقد ذكر محمد الشريف طرفاً من ذلك في كتابه.
وبما أن القضية متجذرة منذ عقود في المجتمع العربي، فلم يكن من السهل معالجتها فوراً، فالملك عبد العزيز قال أنه سوف يعالجها تدريجياً، ولم تنتهي الفصول الاخيرة إلا في عهد الملك فيصل.
وتحرير العبيد في زمن الملك فيصل لم يكن تحرير دون الأخذ في الاعتبار الخسائر التي سوف تحصل للملاك. فأعطت الدولة تعويض على كل عبد يعتق. فأستخرجت صكوك الحرية مقابل تعويضات من الدولة.
ولكن لا أعلم إن رفض البعض العتق وأخذ التعويض، وأستمر الحال حتى نشوء الجنسية التي تساوي بين الجميع ولا تعترف بالعبودية، وانعتاق هؤلاء العبيد تحت الأمر الواقع، فما الحكم الشرعي لمثل هذه الحالات؟ فهل أبناء هذا العبد واحفاده يعتبرون عبيد شرعاً للعائلة التي امتلكت جدهم؟ وكيف يعتق العبد شرعاً؟
وكانت من مقاصد شراء العبودية هي التسري بالنساء، هذا أنتج فئة اجتماعية جديدة تسمى لدينا في الخليج بـ(المولد) أو (المولدين أو المواليد) وهم الهجين. والدهم عربي وأمهم غالباً تكون أفريقية مملوكة، وهؤلاء الموالدين يعيشون تقريباً حياة العبيد لأن اسر والدهم لا تعترف فيهم وإن اعترفت فلا تعطيهم نفس الحقوق التي لدى غيرهم.
يعني نفس حالة عنترة بالضبط.
ثم ذكر في الختام، العادات الاجتماعية الموجودة في الخليج وأصلها من افريقيا جلبها العبيد معهم. مثل: ما يسمى حفلة الزار.
وهي ليست موجودة في الخليج فقط بل في مصر والدول المغاربية ايضاً.
وكذلك بعض الفنون الشعبية الغنائية مثل الطنبورة والليوة وفن دق الحب، كل هؤلاء قد أتى بها العبيد من بلادهم الى دول الخليج واستنسخها أهل الخليج وأصبحت من موروثهم الشعبي!
هذا والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.