كتاب ممتاز ويستحق القراءة خصوصاً من قبل من خُدعوا بسراب الإسلام السياسي والأيدولوجي لعقود من الزمن...
كان النبي زعيماً سياسياً بالعرض لا بالجوهر، فالزعامة جاءت ضمن اشتراطات الواقع الاجتماعي المتغير لا باشتراطات القرآن، حيث كان المسلمون بحاجة إلى من يدبر لهم شؤونهم بعد اتساع الجغرافيا الإسلامية، ويرى برهان غليون أن الإسلام لم يفكر يوماً بالدولة ولا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله، لكن كانت الدولة إحدى منتجاته الجانبية والحتمية، ولقد سبق تلك الأطروحات ما قدمه الشيخ علي عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) حيث ظُلم هذا الكتاب من قبل علماء الأزهر، ولم يوجد في القرآن حسب الشيخ علي دليل واحد من القرآن على وجوب إقامة الإمامة، ولما لم يجدوا شيئا في القرآن أو السنة انصرفوا إلى تأليف دعوى الإجماع والقياس والعقل على وجوب ذلك،.
المفارقة أن الشيعة يجعلون الإمامة السياسية -وخلافاً لرؤية جعفر الصادق- ضمن سياقات الإمامة الدينية، بينما أهل السنة يعملون العكس حيث يجعلون الإمامة الدينية ضمن سياق الإمامة السياسية والتي حصنوها ب "فقه الطاعة".
اعتمد الكاتب النظرية الماركسية في تفسير الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمسلمين في مجتمعاتهم العربية ودورها في انبثاق الإسلام السياسي، فقد كان العامل الاقتصادي والاجتماعي مسؤولاً عن تحريك ودفع الوعي الديني إلى مراحله القصوى التي تمثلت بإعلان ثورة شاملة على الآخر الغربي أو المحتل العثماني، كذلك اعتمد المؤلف على نظرية اجتماعية المعرفة لكارل مانهايم والتي تؤكد أن الفرد يساهم في جعل الفكر يتقدم على ما أوصله إليه الآخرون من قبله فكل فرد محكوم سلفاً بكونه ينمر ويشبو ضمن مجتمع ما، ولا تنفصل أنماط الفكر الموجودة عن سياق الجماعي الذي من خلاله نكتشف العالم.
تُعتبر كل حركة تجديد في الإسلام السياسي كحركة سلفية تجديدية تريد من المسلمين العودة إلى أحضان الأصول للانطلاق منها للتفاعل مع الواقع، وقد مال أتباع الأيدولوجية التوفيقية التي أسسها الأفغاني ومحمد عبده إلى السلفية بشكل كبير بفضل محمد رشيد رضا صاحب النفوذ الفكري الكبير في مطلع القرن العشرين، ويرى نصر حامد أبوزيد أن التيار السلفي تيار نفعي يعتمد تأويل الإسلام من أجل إقامة الدولة الدينية وتقليص المدنية الأوروبية، وهو يعتمد الانتقائية التي تختار من القديم دون مس أساس الهيكل، كل ذلك من أجل المواءمة مع التقنية الغربية المتقدمة مما أنتج وعياً زائفاً جعل العربي يحيا في تاريخ غير تاريخه سواء كان لحظة ماضية في الزمان الأوروبي أم كان لحظة فائتة في الزمان التراثي، ولم يبق له ما يعشه في لحظته الراهنة سوى التبعية للغرب على مستوى الحياة المادية والتبعية لإحدى لحظات الماضي على مستوى الوعي.
أكد د.حيدر إبراهيم على مسألة اعتماد فكرة الأزمة كعامل أساس لتفسير بروز الحركات الإسلامية، فبدء الأزمة الاقتصادية في أواخر العشرينيات كان دافعاً للناس للبحث عن مخرج من عنق الزجاجة، فكان هناك من اختار طريق الفاشية وهناك من اختار تيار الإخوان المسلمين، وكانت ملامح الحدة والصراع الطبقيين بارزة آنذاك، ولعلنا نرى مثال ذلك في كلام حسن البنا عن مدينة الإسماعيلية التي كانت تحتوي شركات قناة السويس الأجنبية وتحتوي كذلك بؤس الطبقات الكادحة والمعدمة.
أما أبوالأعلى المودودي فكان معنياً بنحو كبير بالآخر الهندوسي وحضوره الديموغرافي والاجتماعي المهيمن أكثر من تعتنائه بالمستعمر البريطاني، وهذا يمثل العقدة المزمنة عند كافة الإسلاميين من موضوعات التعددية الدينية، ولقد طعن المودودي في مبدأ السيادة الشعبية بطريقة تجعل كل من يصوت أو ينتخب في عملية سياسية ما كمن أشرك آلهة مُشرعة مع الله يكون لها حق إصدار القوانين عن طريق تفويض الناس لها، عادة تقوم القوى الإسلامية بالانطلاق من أفق المعرفة الدينية القرآنية إلى أفق الأيدولوجية الدينية فتبني اعتقادات اصطفائية وإنقاذية حصرية للمجتمع.
يختم المؤلف كتابه بالقول أن الدين يجب أن يكون أداة معرفية للكشف والتحليل وبوابة لولادات فكرية مثمرة، ولا يجب أن يكون الدين أيدولوجية تحتكر الحقيقة والمعرفة أو أن يكون جسراً للطامحين إلى السلطة والنفوذ.