في طريق لا تشبه الترومبيت اختفى الملعون الذي أقنعني بفكرة الصيد بأوتار (الهارب) وبينما كنت أركض وحدي أغالب عَضَّة الليل لــكفل الغابة سقطت من فمي أسماك خضرٌ كل سمكة صارت فانوساً ووشين بي!
(3) رأيتُ فيما يرى المُحِبُّ دَرَجاً على كل عتبة فيه تجلس بجعة بين جناحي كل واحدة منهن مزمار ورأيتني أصعد تلك العتبات البيضاء وحيداً حتى وافيت النهاية هناك وجدتها واقفة بكامل زينتها ثم أخذتْ بيدي حين طارت الموسيقى وطئنا غيوماً ومررنا تحت أشجار رمان لم أر مثلها من قبل فقلتُ لها: ما تلك الأشجار؟! قالت: هي الأبجديات وكلما كنت أقطع رمانة تحوّلت حبّاتها إلى طيورٍ، تحوّم فـتنعس فوق نهديها ثم إن أيائل خرجت من أوردتي لما استضاءتْ كي تصطاد من بين الساقين أقماراً حمراً ... وارتعشنا
(4) عند البحيرة التي ملأتها أمي باللبن سمعنا حمحمةً، كانت الشمس مثل كونترباص عجوز والرب واقف خلفها بلا قوس فقالت: هل كنت تغمس قَرْنك فيها؟! ... ملعون أنت أيها الكركدن من جميع الوحوش فامض ثلاث أصابع في القدم لن تكفي
وإن صار دمك الأزرق مِداداً امض قبل أن أغري بك الحُرَّاس
__________
*طريق لا تشبه الترومبيت: ربما شاف "تشايكوفسكي" سرباً من البجع يرفل في الماء هناك قبل أن تطأها قدماي.
محاولا الابتعاد عن التقليد، والتخلص من اجترار المعجم الشعري والصور والنزعة الوجدانية يمضي عبد الرحمن تمام في رحلة البحث عن تجربة صياغية خاصة به تضع صورته في نصوصه، هذا أمر صعب في عصر التلقي السريع عبر الوسائط الرقمية التي تكرّس لثقافة جمعية أكثر من سياق التسعينيّات الذي احتفى بالتجريب الإبداعي في الدوريات المتخصصة ، اختار عبد الرحمن عنوانه بتنكير لفظ (طريق) مشيرا لخصوصية الرحلة التي لا تنطلق من مرجعية محددة، ثم النفي الذي يستبعد الشيوع والاجترار، ثم يستخرج من تجربته الانسياق لإيقاع الترومبيت العالي الصوت الذي تشير دلالته للتبعية ، ويأتي بالهارب في مقابله ليعود بالإبداع إلى منابع بعيدة في مصر القديمة متعمّقا في تاريخ الحضارة التي يحدد الرمز مجالها ومفاهيمها ، لذلك احتفت قصائده بالمشيرات الثقافية العالمية في كتابة تبتعد بدرجة ما عن الجماهيرية لكنها تسكمل حداثة قصيدة النثر دون أن تستنسخ نماذجها السابقة من الطريف تأنيث كلمة طريق لتناسب المفاهيم الضمنية لصناعة الشعر ، إن الطريق في هذه الصيغة يصبح استعارة للقصيدة واللغة والرحلة الإبداعية والخصوصية الأسلوبية ، فالقصيدة هي الأميرة الجميلة التي يخرج إليها الشاعر مرتحلا في اللغة ، لتأخذه إلى جانب آخر من المعرفة لم يكن متاحا له في الطريق المعتاد القائم على التعلّم المعياري الذي تتكرر محفوظاته مثل حصص التلقين المدرسي غلاف استعاري لحكاية الإبداع تسقط السمكة الخضراء كنجم طفولي باسم يتجوّل في براح المجرة ليستقر في طريق طويل ممتد لحرف مطبوع يبحث عمن يؤنسه مثل القصيدة التي تنزل من فضاء الذاكرة تعالجها فيزياء المخيّلة لتستقر في نص الشاعر بهيئة طفولية تشبه صاروخا تترك طاقة الاحتراق التي تحركه خلفه مساحة بيضاء لتفاعلات لغوية في سياق الجمال والمفاهيم
عبد الرحمان ليس شاعرا وحسب ، هو خالق للأسطورة تتحسس جمالها وفرادتها بلغة لا يكتبها الا عبد الرحمان . طريق لا يشبه الترومبيت ، مجموعة شعرية تعيشها وتشتاق الى قراءتها مرة ثانية بعد الانتهاء منها . انا محظوظ بهذا الكتاب خاصة وان واحدا من اجمل من نصوصه مهدى إليّ . وبعيدا عن صداقتي الغريبة بشاعر الطريق التي لا تشبه الترومبيت ، اقولها مع تحييد المحبة ان قراءة ما يكتبه عبد الرحمان هو قراءة نوعية وطفرة ضرورية لاستقبال قصيدة النصر .