عجيب. تعرفوا العناوين الي يكون عندكم تأمل مسبق عن الشكل الي ممكن يعالج فيه الكاتب عنوانه/موضوعه؟ وقد تخيب فيقلّ حماسك تجاهها أو تصيب وتسترسل بتعجّب معها؟ هذا أصاب وبإفاضة.
أندريه جاك هنا قسّم الكتاب لثلاثة أجزاء، عن تلقّي وإستيعاب النصوص، عن تأليفها، ثم يليه الربط بين الإستيعاب والتأليف . في الإستيعاب فصّل عن ما يمكن أن يدخل في هذه المعادلة: بنى المعرفة لدى القارىء، خصائص النص ذاته، وخصائص السياق المقروء فيه. بنى المعرفة -بشكل موجز- هي ما تختزنه الذاكرة من معلومات ذات صلة عن الموضوع المقروء؛ الإستيعاب هنا يعوّل على ذاكرة وإلمام القارىء بالموضوع. كذلك يتباين إستيعاب النص من شخص لآخر تبعًا للطريقة التي يتلقّاه فيها الشخص فتؤثر عليه؛ رغب في التلخيص أو الإستذكار وغيره. تاليًا خصائص النص ذاته، فيقول في علم النفس إن «كل شكل لغوي بما فيه النص ينقل تعليمات تتوجه للمعلومات المخزنة بالذاكرة، فيعيد صياغتها أو يعدل عليها». عادةً النصوص السردية -مثل القصة والرواية- أسهل للتذكر والإستيعاب من غيرها، لمَ قد تماثله من تجارب الحياة اليومية وطريقة تسلسل الكتابة المتنبأ بها. وتدخل عوامل عديدة في طبيعة النص على سهولة/صعوبة تلقّيه لدى القارىء، منها طول النص والمفاهيم والكلمات المتضمنة فيه، منها ما هو شائع ومنها ما هو أقل شيوعًا ولأنه «ليس للكلمة دائمًا المعنى نفسه بل يتبع الإطار الذي تستعمل فيه»، كذلك: «النصوص الأطول مع تفاصيل وأمثلة تحبر القارىء على اقتسام هذه الإمكانات على حساب الأفكار المهمة مما يؤثر على التجلي الإجمالي للإستيعاب».
"لا تتعلق سهولة القراءة بشكل رئيسي بالنص نفسه، بل في وقت واحد بالنص وبالقارىء"
يليله خصائص السياق وهي المتغيّرات الي تؤثر على الإستيعاب بشكل مباشر أو غير مباشر خلال نشاط التلقّي، ومنها الصور والرسوم، الخط وحجمه، العنوان إلخ. فيذكر إن هذه العوامل تؤثر بشكل كبير على تلقي المقروء، فـ«الرسم والتصوير يسهلان فهم وتذكر نص ما» مثلاً، كذلك الفرق بين نسخ النص الشفهية والمكتوبة قد تؤثر على القدرة على تلقّيها.
الفصل الي يتبعه، يتحدث عن عملية تأليف وكتابة النصوص «فمن جهة، يستعمل الشخص الذي يقرأ بنى معرفة تسهّل فهمه، كما ينهل الشخص الذي يكتب من البنى نفسها المادة الضرورية للتأليف»/ «الكتابة هي شكل تواصل، وسيلة يكشف المرء عبرها لنفسه وللآخرين رؤيته وفهمه للأشياء»/ ما ظل معي من هذا الفصل، هو السبب الخفيّ الذي دفعني لكتابة المراجعات بعدما أحسست إنها تجعل المتعة تصطبغ بالجدية: يمكن إعتبار الكتابة شكل تعلّم، وسيلة لإكتساب معلومات جديدة واستيعابها، وطريقة لإرضاء حاجات إدراكية للاكتساب وضبط المعلومات أو أداة للمرور من الملموس إلى الصوري، من الواقع إلى المنطق. التنقل بين الكتب والإنغماس في المواضيع والعناوين ينسّيني الأطروحات المهمة لكتب أحببتها وقرأتها بتشوّق شديد، لأني لم أكتب عنها/أقتبس منها/أناقشها كفايةً بدوري، فتأثيرها يضيع بين العديد من القراءات. عاد يذكر الكاتب في هذا الفصل إن التأليف يستند على شيئين رئيسين، بنى المعرفة وهي ما سبق ذكره، والسيرورات السيكولوجية وهي موجزًا تفاعل العمليات الإدراكية خلال نشاط الكتابة ومنها بناء المدلول والتنشيط وإنشاء الجمل والروابط والتنسيقات الحركية وهلم دواليك.
«إن الإناث يكتسبن بسرعة أكبر المهارات الأساس في الكتابة»
الفصل الأخير في الربط بين الإستيعاب والتأليف يذكر إن تعلم القراءة وتعلّم الكتابة يمكن النظر إليهما كمظهرين لا ينفصلان لسيرورة واحدة هي التمكن من "اللغة المكتوبة" فكلما قرأ الطفل عمل على تنمية مهاراته في الكتابة وكلما كتب يمكنه الإفادة أكثر من قراءاته
"كافة الأبحاث تظهر أن القراءة الجيدون هم كاتبون جيدون، وأن الكتاب الجيدون يقرأون أكثر من القراءة الضعفاء وينتجون نصوصًا على درجة أكثر من التعقيد" و"إن تعلّم تلخيص النص واستعمال الترسيمات والمخططات وطرح التساؤلات هي نشاطات إدراكية تؤمن المهارة في استيعاب النصوص وتأليفها".
وجب الذكر إن الكتاب يقول ما هو أكثر مما بوسعي تلخيصه والقبض عليه في سطور، أبحاث عديدة تتناول جوانب شتّى في الموضوع تجاوزتها أو سهوت عنها أو فاضت عن الكأس المملوءة بيدي