من ركام سلبيات ، ومنغضات حياتنا ، ومشاكلها وملابساتها تخرج الاشياء الجميلة كتعبير عن حيوية العراقيين وحيوية الامة .أرسل لي صديقي الناقد الكبير الاستاذ الدكتور قيس كاظم الجنابي- مشكورا - نسخة من كتابه الرائع الجديد عن (العطر عند العرب ) .. قرأته فوجدته في غاية العلمية والاكاديمية والرفعة .العطور التي ترافق حياتنا منذ الولادة حتى الممات .. من منا يستطيع ان يستغني عنها ، وهي بأشكال مختلفة ، لها سيماءها ، وذوقها ، وأريجها ، واصنافها .. الكتاب الذي يقع في ثلاثة أبواب يتناول تاريخيا وادبيا مفهوم العطر ، وتاريخ اصنافه ، ومصادر انتاجه ، وصناعة العطور، وتجارتها ، وجوانبها الاقتصادية والاحتفالية والفكرية وحركة التأليف في العطور ، والعطر والادب ، والعطر والطقوس الدينية ، والعطر وطقوس
الكتاب عبارة عن دراسة عن العطر منذ العصر الجاهلي وحتى العصر العباسي وقد اشتمل على ثلاثة أبواب : الباب الأول / عن مفهوم العطر وتاريخه حيث أن " التاريخ ليس مجرد حقائق وأحداث بمقدار ما هو منظومة اجتماعية سيميائية " ، أما الباب الثاني فكان عن الجوانب الإقتصادية من مصادر إنتاج العطر وكيفية صناعته و المتاجرة به محلياً وخارجياً ، وقد عرف الخلفاء الأمويون بحب الطيب الراقي ، وهو ما سمي بالغالية مكون من مسك وعنبر وعود ودهن ، أيضاً عرف عن عمر بن عبدالعزيز ولعه باستخدام الطيب بكثافة عالية حيث روى بعض الرواة حكاية تقول : " كنا نعطي الغسال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبدالعزيز من كثرة الطيب فيها . قال : ثم رأيت ثيابه بعد ذلك وقد ولي الخلافة فرأيت غير ما كنت أعرف " . أما الباب الأخير فكان عن الجوانب الإحتفالية والفكرية و " صلة الطيب بالحرب والحب والموت وقوة الإلتصاق بالحياة " أي " صار الاتصال بالطيب اتصالاً بالحياة وتصدياً قوياً للموت " .
_ " كانت العرب توقد نار القِرى للأضياف حتى يروها ، وفي أماكن مرتفعة ، وبعضهم يوقدها بالمندل ، وهو عطر ينسب إلى مندل بلد في الهند مما يتبخر به ونحوه ، ليهتدي إليها العميان الذين لا يرون النار . ولعل تفسير وضع العطر بهذه النيران ، لكي يستدل بها العميان ، هو من باب التفسير المتأخر ، وإنما هو طقس احتفالي بالكرم " .
الكتاب للباحث التاريخي جيد لكنه لا يعطي أضافات جديدة للقارئ مثلي باحثاً عن فلسفات العطر وما تفعله رائحته لكنه يعطيك انطباع اهتمام العرب (الحكام) من بذخهم بالعطور