تشدها رائحة عطره فتتبعها، وتدفع الباب الموصد، تجد نفسها مرة أخرى وسط نفس الظلمة، وكالمرة الأولى تبعتْ بصيص النور، وفتحتْ النافذة، وحينما استداراتْ ظهر لها الكمان في ركن من الغرفة، وجهه مدفون بين الكراسي، شافته صامتا، من هول المشهد، لم يعد للنبض صوت لديها..استجمعتْ قواها بعدما أدخلتْ الهدوء إلى نفسها وتقدمتْ منه، في نفس وقت تهاوى كل ما خرج منه، ومدتْ يدها، ورفعته، رأتْ التراب يسكنه، وضعته على الأرض، وركعتْ بجواره وضمته لصدرها وهى تقول:" أنا لست هنا "كررتها كثيرا، هرعتُ إليها، حضنتها بقوة، وقامتْ من دون أن تنظر إليّ، كأنها كانت تخشى النظر لقرص الشمس، وبقيت كلماتها، وما خلفته كان بمثابة غبار طار، طال رأسي، وصوتها ولد من جديد:" فين من كان قلبه أرق من فطيرة"
تنتمي هذه الرواية إلى الأدب الروائي المعاصر وتعتمد على التداخل بين الواقع النفسي والرمزي.
تتحدث الرواية عن شخصية اسمها منى بلغت من العمر الخمسين سنة وتعرفت خلال حياتها على رجلين الأول ترك في قلبها جرحا قديما ابقاها في حالة إحتقان وتؤثر على رؤيتها للحب لاحقا والثاني يمنحها رؤية جديدة للحياة وللحب معنى مختلفا ك"معانقة الندى للزهور" يخاطبها هذان الرجلان بشكل رمزي بين الماضي والحاضر، بين الخذلان والأمل في صراع داخلي عميق.
لدى منى ثلاث صديقات لكل منهن القدرة على الإنصات وعلى استحضار أصوات الماضي والحاضر تمنحنها زوايا مختلفة لفهم الحياة والعواطف ومن خلالهن تعيد منى ترتيب صورتها الذاتية وتمضي بخطواتها بإرادة واعية.
تعيش منى حالة من التيه مثل "السائر في الصحراء يصارع السراب" حيث الواقع والخيال يتداخلان بحدة، تتسائل : هل هي نعمة أم نقمة؟
تتصارع داخلها الذكريات المؤلمة وهي تبحث عن مصير جديد.
إعتمد الكاتب لغة شعرية رمزية كصور مثلا "رائحة العطر" التي تقود البطلة وإستعارات حول الظلام والضوء، النوافذ المغلقة والمفتوحة.
تحدث الكاتب عن أن الحب لايختزل في العمر أو الحدث الأول بل له مراحل جديدة.
وتطرق إلى الندم والشفاء حيث أن الألم كحريق لازم الماضي والبحث عن التخلص منه.
وتحدث أيضاً من خلال الرواية عن الوعي الانثوي وذلك نراه من خلال شخصية منى التي تستعيد صوتها من خلال الثلاثي : الماضي، الحاضر، الخيار الشخصي.
وتحدثت الرواية عن الوحدة والصداقة حيث أن الصديقات شريان يدعم الذات في مواقف الانكسار والانعتاق.
ينتهي السرد بطريقة غير تقليدية تترك المطالب في ذهن القاريء مفتوحة، لم يحسم خيار الحب الأول أو الثاني إن كان هو "الندبة" أو "رؤية جديدة".
تظل منى حائرة :هل اختارت الطريق الصحيح؟ وهل هي البركة أم العذاب؟
في النهاية أقول أن الرواية تمتلك جمالا لغويا وشاعرية واضحة لكنها تعاني من ضعف في البيئة الدرامية وتوازن الشخصيات كما أن التركيز الزائد على الرمز والتأمل أضعف من التفاعل السردي لدي القاريء
قارئة الأرواح تدور حول شخصية منى اللتي تروي على لسانها أحدات الرواية و اللتي تقوم بدورها على نسيج الحوارات والتفاعلات بين الشخصيات بدل العمل على حبكة الأحداث أو الفكرة التي بدت لي بسيطة ومكرّرة وتفتقر جدا لعنصر التجديد . سقط الكتاب كثيرا في فخ إنتقاء و تلمق الكلمات إلى أن أحسست بعض الأفكار اللتي تروج لها شخصياتها في بعض الأوقات رغم إغراقها في التعقيد مجرٌدة من كل جوهرٍ يُحاج به. بالنسبة للشخصيات ،معز و أم منى و إبنتيها سهى و ماجدولين ،أو زوجها المرحوم شكري أو صديقاتها رجاء و سمية أو فريال و عوني كلها شخصيات غير قائمة بذاتها ،موجودة فقط لتضيف أبعاد مختلفة للشخصية المحورية منى و قصتها مع علي اللي نجح الكاتب في نسج شخصيتة بعيدا عن التناقض، قصة منى و علي قصة حب تطلبت زمنا و مكانا مناسبا، بدأت في الفايسبوك أو شقة مفروشة إفتراضية كما يطلق عليها الكاتب ، لامست الواقع في لحظة شجاعة ولدت فيها كلمة : أحبك و إنتهت ككل قصة حب من الدرجة الثانية ،فقط قليل من الكذب و الجبن و الأنانية كان كافيا لإزهاقها.ثم يختتم الكاتب روايته بمنى بعد رجوع علي و قد كان قبل ذالك رحيل متعمد تستنتج أن الحب جدارة و إستحقاق و أن لا مكان في الأرض عاد يجمعهما معا ،و تقول : صدقني ،إنتصرت لنفسي...