ولد عبد الله ابراھيم وترعرع في كركوك لعائلة تعمل بالزراعة في أرضھا التي تملكھا. ويصف مدينة كركوك كما في طفولته بالمكان المثالي، يعيش فيه العرب والأكراد ويربط بين المسيحيين والمسلمين جيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولكن تغير الحال مع بداية الحرب العراقية حين تم تجنيد ابراھيم في جيش صدام حسين للدفاع عن العراق. بعد الحرب غادر العراق ھربًا من التوترات السياسية إلى أن انتھى به المطاف أستاذًا للأدب العربي في ليبيا ثم انتقل إلى قطر. وفي رحلته بين ھذه الدول، تتجدد ذكريات إبراھيم عن وطنه وكذلك حزنه لموجات العنف المتلاحقة التي تجتاح وطنه.
العنوان الفرعي لهذه السيرة هو "سيرة عراقية" ينطبق تماماً على مضمونها، لكنه بالتصنيف الأدبي هو أقرب للمذكرات من كونه سيرة. يمكن اعتبار هذه السيرة كتاباً تاريخياً عن العراق الحديث، وإن كان هذا من وجهة نظر المؤلف. وصف فيه الحالة السياسية منذ وعيه تقريباً في بداية الستينات الميلادية، مروراً بالارتباك السياس وحتى تولي صدام حسين زمام السلطة، وما تبعها من الحرب العراقية الإيرانية التي شارك فيها المؤلف فيها قسْراً، حرب استمرت لثمان سنين، جعلت عقلية العراق عقلية حربية هاجئة، ثم تبعها مباشرة غزو الكويت عام ٩٠ ميلادية، ثم خروج العراق منها خروجاً مهيناً، أدّى به إلى انتكاسات داخلية، ثم حرب الخليج الثالثة عام ٢٠٠٣م، التي أُجهز فيها على العراق تماماً، بعد أرهاقه بالحصار. أما ما يتعلق بالمؤلف، فقد أسرف في ذكر عشيقاته من النساء، فكتابه مترع بالمغامرات العاطفية، حتى أنه ذكر علاقة حب بامرأة متزوجة كان من الأخلاقي أن لا يذكرها، لأنها علاقة وصلت إلى حد هروبها من زوجها وطلب الطلاق منه، لكن ذلك لم يتحقق لها. لا يكاد المؤلف يذكر أسرته إلا لمماً، عوضاً عن زوجته التي لم يرد لها ذكر أبداً. يتحدث المؤلف عن خريطة سيره الدراسية التي مُلئت بالمعوّقات والسدود، إلا أنه تجاوز ذلك، حتى حصل على الدكتوراه عام ٩١ميلادية، بعد مناقشة استمر ست ساعات. المؤلف متحامل على صدام حسين، فصل في ذكر صفاته فيما يربو على ثلاثين صفحة، حتى أن القارئ سيقول فهمتك فهمتك أعتقه أرجوك. نُكب المؤلف في مكتبته الضخمة التي جمعها في أربعين سنة، إذا أحرقتها قوات كردية عام ٢٠١٥م. إن نعمة استقرارك في وطنك وهدوء بالك وخلوّه من المشاكل التي تهدد كيانه لهو فضل عريض ونعمة تستحق الشكر كلما أصبحت، لأنك ستدرك من خلال هذه السيرة مدى خوف الإنسان وهلعه في بلد يُترصّد له، ويُمكر به، حتى تحين ساعة زجّه في أتون الفوضى والتخلّف. توقف المؤلف في نهاية السيرة عند عودته للعراق بعد الاجتياح الأمريكي عام ٢٠٠٣م، فهل سيكون هناك جزء ثانٍ ؟
كانت رحلة شاقة ومشوقة مع كتاب المفكر والناقد العراقي عبدالله إبراهيم في كتابه (أمواج) الذي حمل عنوانًا فرعيًا مناسبًا وملائمًا جدا هو "سيرة عراقية" وهذه العبارة حمالة أوجه، فقد يفهم منها أنها لكاتب ينتمي إلى العراق جغرافيًا، وقد يفهم منها أنها نوع من السيرة للعراق نفسه، أو على الأقل لجزء مهم جدًا من تاريخه المعاصر، وهذا الكتاب في حقيقة الأمر يقدم مزيجًا وخليطًا متجانسًا ومتوازنًا إلى حد بعيد للسيرتين: سيرة الشخص وسيرة الوطن.
القارئ الذي لديه سابق اطلاع على تاريخ العراق في العقود القليلة الأخيرة لن يخرج صفر اليدين، بل سيتوسع مدى معرفته تلك، وستتوضح له خبايا لا يعرفها إلا العراقيون أنفسهم ممن طحنتهم الحروب المتوالية من جانب، واستلبت إنسانيتهم واستنفدت مقدراتهم أنظمة الحكم الديكتاتورية أو المستلبة والعاجزة من جانب آخر. الكتاب الكبير الذي يقع في قرابة ٦٠٠ صفحة، والذي اعتمد في الجزء الأكبر منه فيما يبدو على اليوميات التي انتظم في تدوينها عبر سنوات طوال، يتقاطع فيه الشخصي مع العام بشكل متوازن، والكاتب المهموم والمنشغل بالسرد وفنونه حتى اقترن اسمه به عبر سلسلة كتبه فيما عرف ب"موسوعة السرد العربي"، يجيد توظيف عناصر السرد وتقنياته ورسم نسيج الأحداث وملامح الشخصيات، فلا يشعر القارئ بالملل ولا يداخله السأم.
تتسم هذه السيرة أيضًا بصدقها مع الذات وتعريتها وتوجيه النقد لها في كثير من المواقف والمفاصل المهمة من حياته الشخصية أو تاريخ بلاده الشائك المتشابك. وإن تكن ثمة ملاحظة يشار إليها هنا فهي ميل الكاتب وتعريجه طويلا على سرد مغامراته العاطفية وعلاقاته النسائية الكثيرة "جدًا" حتى ليتساءل المرء إن كان يجدر بالكتاب أن يضيف كلمة "دنجوانية" إلى عنوان الكتاب الفرعي. الغريب في الأمر أن أفراد أسرته، زوجته وأبناؤه، لا يرد ذكرهم إلا عرضًا وبإيجاز شديد، دون ذكر أسمائهم، بخلاف "حبيباته" ذوات الأسماء الحقيقية أو المستعارة.
بغض النظر عن ذلك، الكتاب قيم جدًا ويستحق وبكل جدارة أن يضاف إلى مجموعة أبرز كتب السيرة العربية، وكم كنت أود لو أن الكاتب أضاف بعض الصور الفوتوغرافية والوثائق لإضفاء طابع توثيقي يجمع بين الحرف والصورة كما يحدث غالبًا في كتب السيرة الأجنبية.
من أجرأ السير الذاتية العربية التي قرأتها وهذا هو المطلوب في السير الذاتية ان تكون كذلك حتى يتحصل القارئ على رأي الكاتب الصريح هي فعلا سيرة عراقية كما في عنوان الكتاب حيث عاصر الكاتب تاريخ العراق المعاصر وشهد على التحولات الكبيرة التي حدثت فيه من الحكم الملكي الى الحكم البعثي ثم حقبة صدام الممتدة طويلا والتي شهدت الاحداث الكبرى من حروب وتحولات ثقافية وسياسية واقتصادية كبرى وفي الكتاب تصوير جيد لحياة النخب الثقافية في ظل حكم دكتاتوري يترقبهم في كل تحركاتهم وحواراتهم لكنه يصور ان هناك حياة ثقافية حية رغم ذلك في العراق وهو مااثار استغرابي
من أمتع وأجمل كتب السير الذاتية التي قرأتها عاصر المؤلف بداية عصر صدام حسين إلى أن تمت الإطاحة به من قبل القوات الأمريكية والفترة التي تلت عصر صدام إلى يومنا هذا أحداث وقائع مثيرة تعرفت عليها في هذا الكتاب