هذه الرواية تتناول جيلًا صدّعت النكسة جدران أحلامه، ثم ترنّح بين هويّتين متناقضتين، فمصر التي عاشت ذروة مدّها الثقافي لأجيال سبقت نكسة 67، وآمنتْ بأسس الاشتراكيّة كمعادل أوحد للمساواة، لا تشبه مصر التي حرّرت أرضها لكنّها تحرّرت في ذات الوقت من إرثها الثقافي العريق، فانغمست في انفتاح اقتصادي وأخلاقي ومجتمعي غير محسوب.
ملحمة روائيّة ثرية في تفاصيلها، ترشق سهام الحقيقة في صدور الأدعياء، وتغزل الحاضر على نول الماضي لتستشرف المستقبل، وتحمل رسالة مباشرة مفادها أن شيوع الجهل كفيل بتحطيم الأمم، وأن شعلة الثقافة لو انطفأت، ارتدت بنا الحياة إلى عصور الظلام. شخصيات تنوّعت ببراعة بين الحقيقي والمتخيّل، وحكايات تشابكت بين واقعية الحاضر وأسطوريّة التراث. سيتوقف القارئ كثيرًا أمام اختيار أسماء الشخوص، سيتعلّق بطرف جلباب الشيخ نور، الحدي والمؤذن، سيلتقي بنجيب محفوظ ويحيى حقي وأم كلثوم وعبد الرحمن الشرقاوي وعادل كامل وعبد المنعم إبراهيم ومحمد حسنين هيكل، سيرتحل مع الخال شرقاوي إلى جزيرة الوراق، سيكره دياب، ويبحث عن أبي زيد، سيحب شامة أم إبراهيم، سيستمع إلى حكم الجازية، وسيبكي إسماعيل.
كان إسماعيل هو رمز الجيل القادم الذي ضحّى به وطنٌ بات يرتدي الملابس المستوردة، ويدخن السجائر المستوردة، ويعتنق كل فكرٍ مستورد، ويكفر بكل ما يتسق مع تراثه وتاريخه. استشهاد إسماعيل هو وصمة في جبهة الوطن، لكن سمير ندا، على شدة الألم الذي استدعاه وبثّه في أوراقه، أراد أن يذكّر القارئ أن الأمل قائم، لأن إسماعيل سيولد من جديد، ولأن أبا زيد، البطل الغائب دائم الحضور، سيعود عما قريب، ولن يتحول إلى بطل آخر من غبار، كذاك الصامت في ميدان العتبة.
تقنيات السرد الفريدة في هذه الرواية كانت محل إشادة النقاد وقت صدورها، وكانت موضوعًا بحثيًا في أكثر من رسالة ماجستير لطلّاب الآداب. فالرواية كانت ولم تزل احدى أهم الروايات العربية الصادرة في القرن الماضي، ومن أكثرها تفرّدا على صعيد التقنية السردية التي ارتكزت على تداخل الأصوات وتبادل الضمائر والتشظي الزمني واشتباك الواقع بالخيال علاوة على اشتباك الشخوص مع الكاتب، في لوحة شاسعة حوت أغلب عناصر البلاغة اللغوية.
كاتب وصحفي ومترجم ومخرج تسجيلي مصري، لمع نجمه في ستينات القرن الماضي، حين أسس سلسلة كتاب الطليعة الذي قدم من خلاله وجوه أدبية شابة تنشر للمرة الأولى آنذاك، ومن أبرزها جمال الغيطاني ويوسف القعيد، كما أصدر أيضاً من خلال ذات السلسة روايته الأولى "الشفق" التي قدّم لها الأديب الكبير يحيى حقي، ليرشحه بعدها الأديب العالمي نجيب محفوظ كأحد ثلاثة أدباء صاعدين للوصول بالرواية العربية للعالمية. بسبب آرائه السياسية في مطلع السبعينيات قضى ما يقارب الثلاثة عقود من عمرة في المهجر متنقلاً بين عدة دول عربية، فواجه مشروعه الأدبي عدة مصاعب وإحباطات. من أبرز مؤلفاته الشفق ، الشروق من الغرب، حارة الأشراف، والله زمان، ووقائع إستشهاد إسماعيل النوحي والتي تم إختيارها كأحد أفضل مائة رواية في تاريخ الأدب العربي عام ١٩٩٨، كما أن مجموعتين قصصيتين وعمل مسرحي هو "لن نموت مرتين" ومن أبرز الأعمال التي قام بترجمتها الخادمات لـ"جان جينيه"،لعبة النهاية والأيام السعيدة لـ "صمويل بيكيت"، خطابات "فرجينيا وولف"، حياتي لـ "جولدا مائير"، أخر أيام نيكسون، وغيرها، كما أن له عدة أفلام تسجيلية أبرزها "والحياة لا تموت" ويؤرخ فيه لما تلى مرحلة النكسة، وكذلك "الرجال والبحر" ويعايش فيه بطولات رجال البحرية المصرية إبان حرب الإستنزاف. سمير ندا، هو أحد أبرز مواهب الأدب المصري في الستينات، وتظل أعماله على قلتها علامات مضيئة في تاريخ الأدب العربي.
يقول المثل إذا جاءك الطوفان، حط ولدك تحت رجليك. ولكن كيف إذا كان إبنك هو ضحية الطوفان بالفعل، ماذا ستفعل.
في رواية جديدة من نوعها السردي والتكنيكي علي، خضت مع الكاتب سمير ندا عالمه الكتابي الأثير، في رواية وقائع استشهاد إسماعيل النوحي وهي تدور عن آل النوحي وآل قابيل والهلالية في تمازج عجيب بين عوالم مختلقة، بين أبطال السيرة الهلالية، وشخوص مستلهمة من أسماء الأنبياء وحكاياتهم، بجانب شخصيات واقعية كنجيب محفوظ ويحي حقي ومحمد حسنين هيكل وأم كلثوم وعبد المنعم إبراهيم وغيرهم كل هؤلاء اجتمعوا في رواية تتحدث عن حقبة الستينيات لأواخر الثمانينيات، وماجرى في مصر من تغيير ثقافي وإجتماعي جذري أدى إلى أن ضاعت الكثير من القيم الثقافية والإجتماعية وتفشي قيم آخرى كانت غريبة عن المجتمع وتوغلت فيه.
انقسمت الرواية لعدة أسفار أو سجلات تاريخية للأيام والأحداث كما تخيلها الكاتب *سفر الزمن الأخضر: حيث صور لنا الحياة الأدبية والثقافية في المجتمع، وأحوال الناس وطباعهم، وهذا السفر تردد فيه ذكر نجيب محفوظ وغيره كدلاله على الثراء الفكري في هذا العصر، عندما كان يعيش خليل النوحي، رمز الزمن الجميل، راعي الثقافة والفكر، صديق الجميع، الوسطي في كل شئ. *سفر آخر أيام الزمن الأخضر: وبدء الإنحدار بموت خليل النوحي، وتركه لحفيده وحيداً، وظهور شحاته حفيد دياب بن غانم، وتدبيره للإنتقام من إبراهيم حفيد النوحي وزوجته شوق سليلة الهلالية. * سفر الزمن الحرام: بتغيراته من المد الوهابي، وسفر المصريين للخليج ورجوعهم مختلفي الفكر والطباع، ودخول الإستثمارات الخليجية لمصر، وظهور طبقات جديدة على المجتمع، أدت إلى مسخ المجتمع ومحاربة كل ما هو أصلي فيه، وفيه دخل إبراهيم النوحي مستشفى الأمراض العقلية وقتل إبنه إسماعيل فمن قتله ولمن كان يرمز إسماعيل النوحي * سفر حلم الميلاد: بولادة إسماعيل جديد، قد يكون هو الأمل في عالم جديد، بعد الطوفان
الشخصيات هنا رمزية بأسمائها وأحلامها خليل النوحي: رمز الثقافة والمعرفة إبراهيم النوحي: رمز الزمن الذي تشوه وتحول لعالم من الجنون، الضائع بين تاريخ المصريين وأصالتهم الفرعونية والتاريخية والثقافية، فأصابة التحول بالجنون فنراه يردد دوماً " آمون. آميين" إسماعيل النوحي: رمز الفداء والبدء بعالم جديد
إسم النوحي: قد يكون نسبة للنبي نوح وطوفانه وقد يكون نسبة لغراب أول الزمان وتشابه الأمر علي لأيهما يكون وذلك بسبب جملة " حين يأتي الأجل أوصيك بدفني مع قابيل في مقبرة آدم ثم قال: هكذا يعود النوحي إلى منبت أصله" فهل النوحي هو طوفان نوح أم الغراب المعلم الأول للإنسان طالما خليل النوحي هو رمز الثقافة؟
عن تكنيك الكتابة فالكتابة ذات لغة شاعرية، متعددة الأصوات فهناك الراوي العليم بجانب أصوات عدة، لن تجد هناك فواصل بينهم. وموتيفا الرواية
الرواية لا تُقرأ على عجل أو ملل، هي رواية قوية تحتاج إلى ذهن صافي وتركيز
التقييم ٥/٥ بجدارة، كيف لروائي بالبراعة والقدرة على الربط بين الفلسفي والعامي ان يعلم من مثلي عنه بسبب فوز ابنه الاستاذ محمد سمير ندا بالبوكر، لو صلاة القلق بهذا الجمال اعطوها البوكر وكل جوائز التقدير، احنا هنا امام عمل ملحمي على صغره انما هو يفيض بكل ما تحمله كلمة ملحمة من معنى واسلوب، الرواية حزينة جدا لكن صادقة جدا، الرواية اللي تخليني اركز في لغتها بعرف انها نوع من اتنين يا ثقيلة ومتعبة للذهن والعين، او قيمة جدا تجعلك كلما اعدت القراءة استطعمت نكهة جديدة من جمال اللوحة المرسومة، وهذا ما فعله استاذ سمير ندا، السرد عبقري والاسقاطات الادبية عن ملاحم الاعمال الادبية والشعرية على لسان الابطال عظيم، الحقيقة لا ينقصها اي شئ من وجهة نظري لتخلد في سماء الرواية العربية.