قبل شهر تقريبا توفي حبيبي وأبو حبيبي "جدي" عليه رحمات الله تتوالى، كانت أول حادثة فقد تصيبني جعلها الله الأخيرة، لن أتحدث عن الدروس التي أعطانيها هذا الفقد، والمعاني التي أكسبنيها، والأمور التي نبهني إليها بوفاته، وكأنه رحمه الله لم يكتف بوعظه لنا حيا فكان في موته لنا خير واعظ! فالحديث عن ذلك سيطول!
لكني سأتحدث عن بعض ما ورثته عنه رحمه الله، وقد كان من ذلك هذا الكتاب (رياض الصالحين)، وكأني ألتمس بقراءته أن ألتقي به، بينما هو ينعم بإذن الله في (رياض الصالحين) لم يكن لي بد من محاولة لقائه عن طريق هذا الميراث ولو في المسمى!
بعد وفاته -غفر الله له- دخلت غرفته، جعلت أستنشق رائحته، أبحث عنه في الزوايا، في مذياعه الذي كان دوما ما يرتل آيات القرآن، أهدئ النفس بضم ثيابه، باستنشاقها، كانت رائحته لي دواء، لكنها لم تكن كافية، رحيله كان فاجعة، لكن المفجع أكثر كان عدم مقدرتي على التواصل معه! كنت أود أن يعود ولو للحظة، فقط لحظة! كنت أود أن أخبره فيها كم كنت أحبه، كم كنت فخورة بأن اسمه كان كالدرة في سلسلة اسمي، كم كنت فخورة بحسن تربيته لأبنائه وأحفاده، لم أشبع بعد من حضنه وحديثه الدافئ، من وعظه المليء بالحب والخوف والرحمة، كم كنت أحب أحاديثه عن أولئك الذين رحلوا ولم أستطع التواصل معهم، أما الآن فقد رحل ورحل جسر تواصلي معهم ومعه!
كان هذا الشعور موجعا، ولم أجد راحة مما كنت أشعر به إلا بعدما لحظت كتابه هذا (رياض الصالحين)، التقطته ككنز، وضممته كمن عاد من سفر، تصفحته، استنشقت عبيره عبر صفحاته، رأيت طيب خلقه بين كلماته، آه لقد رأيته ظاهرا لي عبر معانيه! لقد شعرت فجأة أنه عاد! سرقته! ولا أعلم ما حكم السرقة من الميت؟ لكنني سأخبر الله أنني فيمن قال عنهم (فمن اضطر) فقد كنت منهكة بالمرض، وكان هذا دوائي!
سأترك حديثي عنه وعن مشاعري بعد فقده، فلا الحروف ستعبر عما بداخلي، ولا الأوصاف ستستطيع نقل الحقيقة، لذا سأنتقل للحديث عن الكتاب، عما يجب الحديث عنه منذ البداية (رياض الصالحين)
لن أحدثك عن عدد المرات التي تردد على مسامعي مسماه، أو عدد من ذكروه على سبيل الاقتراح أو التذكير، لكني سأصدقك القول، كنت أمر عليه في المكتبة، أتصفحه، فإذا بأغلب أحاديثه تبدو شهيرة لدي، لذا كنت أتعداه لغيره، ويا لغبائي! كنت أبحث عن الجدة في الأحاديث، ولم أعلم حينها أن ما كان يحتاج التجديد هو قلبي! ولعل في الأمر خيرا، فلعل النسخة التي بين يدي، بتحقيقها الجيد، والروح التي لم يكن سيملكها أي كتاب آخر شابه مسماه، لم تكن لولا أن الله كتب لي هذه النسخة..
دعني أحدثك عن الكتاب، الكتاب مهم عظيم قيم، هل تعرف تلك الكتب التي تضعها في الرف الأول، تلك التي تشتريها كنسخ لا بد من وجودها في منزلك وإن لم تكن تقرأ أصلا! هذا الكتاب أحدها، فالكتاب يحمل بعض آيات الله وأحاديث رسوله ، ويستعرضها على شكل أبواب، وآه من النووي وتبويبه، في قراءة عناوين الأبواب فوائد قيمة، تنبيك عن علم النووي ودقته، فالتبويب والترتيب رائع ويصلح لأن يكون دليلا لك كمسلم، كان من المفترض أن ندرس مثل هذا الكتاب ونربى تدريجيا بناء على التدرج الموجود في مواضيعه، فالنووي رحمه الله وفق في ذلك والله أعلم..
ستجد أحاديث لأول مرة تمر عليك، وأخرى -وهي الأغلب- معروفة، لكن العجيب أنك ستقرؤها لأول مرة، فمنها ما تغير فهمك له لتغير سنك، ومنها ما تجدد فهمك له لتجدد علمك، ومنها ما استفدت منه استنباطات جديدة لم تكن لتستفدها من قبل، ومنها ما لفت نظرك إلى نكتة فيه عن طريق عنوان بابه، منها ما تقرؤه اليوم لتجد فيه ما لم تجده في قراءتك بالأمس، ومنها ما لامس فؤادك كأنك تقرؤه لأول مرة ولا عجب، فإن الأمزجة تتغير والقلوب تتبدل، مما حداني للتفكير بتقصيرنا تجاه كتاب ربنا وأحاديث نبينا، نظن أننا بقراءتنا ومعرفتنا وصلنا للمطلوب، وما القراءة إلا الخطوة الأولى، فالمعرفة أمر والتذكير أمر آخر، والتذكير أمر والفهم أمر آخر، والفهم أمر والاستشعار أمر آخر، والاستشعار أمر والتطبيق أمر آخر، وبعد وعيي لذلك، رفعت عيني لأرى مكتبتي التي زخمت بالعديد من الكتب، ضحكت! كان هذا الكتاب وقبله كتاب الله كافيا! لكن شغف الفضول والاستزادة لم يترك لابن آدم مجالا لأن يملأ قلبه بمواعظ ربه!
لذا أستطيع أن أقول لك بملء في: سيكفيك كتاب الله وسنة رسوله لكن..! إن وفقت لوعيهما حقا!
أخيرا: رحمك الله يا حبيبي، أملي فيك كبير، وفي رحمة الله وفضله بقوله (ألحقنا بهم ذريتهم) أكبر، أرجو أن تصلك رسائلي التي أرسلتها لك عبر دعوات، كانت أعظم هدية منك لي والدي، واليوم هدية وداعك لي هذا الزاد، فيا حبيبي قل لي كيف أرد جميل فضلك علي؟
رحمك الله وإياي وإياكم والمسلمين أجمعين، وجمعنا في جناته، ففي الخاطر حديث لم أقله لك بعد، هناك سأخبرك عما فاتك، وسأستبيحك فيما سرقت منك، هناك .. في رياض الصالحين سأخبرك أني قرأت كتابك رياض الصالحين ❤️